تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 91

مساهمون:

ص٩١
فنكرمه ، ولكن لنجزي كلا بما كسبت يداه ، وهم لا يظلمون جزاء أعمالهم . القول في تأويل قوله تعالى :
أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ . . .
غِشاوَةً فَمَنْ
اختلف أهل التأويل في تأويل قوله :
أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ
فقال بعضهم : معنى ذلك : أفرأيت من اتخذ دينه بهواه ، فلا يهوى شيئا إلا ركبه ، لأنه لا يؤمن بالله ، ولا يحرم ما حرم ، ولا يحلل ما حلل ، إنما دينه ما هويته نفسه يعمل به . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، في قوله :
أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ
قال : ذلك الكافر اتخذ دينه بغير هدى من الله ولا برهان . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، في قوله :
أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ
قال : لا يهوي شيئا إلا ركبه لا يخاف الله . وقال آخرون : بل معنى ذلك : أفرأيت من اتخذ معبوده ما هويت عبادته نفسه من شيء . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يعقوب ، عن جعفر ، عن سعيد ، قال : كانت قريش تعبد العزى ، وهو حجر أبيض ، حينا من الدهر ، فإذا وجدوا ما هو أحسن منه طرحوا الأول وعبدوا الآخر ، فأنزل الله
أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ
. وأولى التأويلين في ذلك بالصواب قول من قال : معنى ذلك : أفرأيت يا محمد من اتخذ معبوده هواه ، فيعبد ما هوي من شيء دون إله الحق الذي له الألوهة من كل شيء ، لأن ذلك هو الظاهر من معناه دون غيره . وقوله :
وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ
يقول تعالى ذكره : وخذله عن محجة الطريق ، وسبيل الرشاد في سابق علمه على علم منه بأنه لا يهتدي ، ولو جاءته كل آية . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس
وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ
يقول : أضله الله في سابق علمه . وقوله :
وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ
يقول تعالى ذكره : وطبع على سمعه أن يسمع مواعظ الله وآي كتابه ، فيعتبر بها ويتدبرها ، ويتفكر فيها ، فيعقل ما فيها من النور والبيان والهدى . وقوله :
وَقَلْبِهِ
يقول : وطبع أيضا على قلبه ، فلا يعقل به شيئا ، ولا يعي به حقا . وقوله :
وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً
يقول : وجعل على بصره غشاوة أن يبصر به حجج الله ، فيستدل بها على وحدانيته ، ويعلم بها أن لا إله غيره . واختلفت القراء في قراءة قوله :
وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً
فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة وبعض قراء الكوفة
غِشاوَةً
بكسر الغين وإثبات الألف فيها على أنها اسم ، وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة " غشوة " بمعنى : أنه غشاه شيئا في دفعة واحدة ، ومرة واحدة ، بفتح الغين بغير ألف ، وهما عندي قراءتان صحيحتان فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب . وقوله :
فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ
يقول تعالى ذكره : فمن يوفقه لإصابة الحق ، وإبصار محجة الرشد بعد إضلال الله إياه
أَ فَلا تَذَكَّرُونَ
أيها الناس ، فتعلموا أن من فعل الله به ما وصفنا ، فلن يهتدي أبدا ، ولن يجد لنفسه وليا مرشدا . القول في تأويل قوله تعالى :
وَقالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ
يقول تعالى ذكره : وقال هؤلاء المشركون الذين تقدم خبره عنهم : ما حياة إلا حياتنا الدنيا التي نحن فيها لا حياة سواها تكذيبا منهم بالبعث بعد الممات . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
وَقالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا
أي لعمري هذا قول مشركي العرب . وقوله :
نَمُوتُ وَنَحْيا
نموت نحن وتحيا أبناؤنا بعدنا ، فجعلوا حياة أبنائهم بعدهم حياة لهم ، لأنهم منهم وبعضهم ، فكأنهم بحياتهم أحياء ، وذلك نظير قول الناس :