أساء عمله في الدنيا بمعصيته فيها ربه ، وخلافه فيها أمره ونهيه ، فعلى نفسه جنى ، لأنه أوبقها بذلك ، وأكسبها به سخطه ، ولم يضر أحدا سوى نفسه .
ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ
يقول : ثم أنتم أيها الناس أجمعون إلى ربكم تصيرون من بعد مماتكم ، فيجازي المحسن بإحسانه ، والمسئ بإساءته ، فمن ورد عليه منكم بعمل صالح ، جوزي من الثواب صالحا ، ومن ورد عليه منكم بعمل سئ جوزي من الثواب سيئا . القول في تأويل قوله تعالى :
وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ . . .
وَرَزَقْناهُمْ
يقول تعالى ذكره :
وَلَقَدْ آتَيْنا
يا محمد
بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ
يعني التوراة والإنجيل .
وَالْحُكْمَ
يعني الفهم بالكتاب ، والعلم بالسنن التي لم تنزل في الكتاب .
وَالنُّبُوَّةَ
يقول : وجعلنا منهم أنبياء ورسلا إلى الخلق .
وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ
يقول : وأطعمناهم من طيبات أرزاقنا ، وذلك ما أطعمهم من المن والسلوى
وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ
يقول : وفضلناهم على عالمي أهل زمانهم في أيام فرعون وعهده في ناحيتهم بمصر والشام . القول في تأويل قوله تعالى :
وَآتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ . . .
يَوْمَ الْقِيامَةِ
. . . يَخْتَلِفُونَ
يقول تعالى ذكره : وأعطينا بني إسرائيل واضحات من أمرنا بتنزيلنا إليهم التوراة فيها تفصيل كل شيء
فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ
طلبا للرياسات ، وتركا منهم لبيان الله تبارك وتعالى في تنزيله . وقوله :
إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم إن ربك يا محمد يقضي بين المختلفين من بني إسرائيل بغيا بينهم يوم القيامة ، فيما كانوا فيه في الدنيا يختلفون بعد العلم الذي آتاهم ، والبيان الذي جاءهم منه ، فيفلج المحق حينئذ على المبطل بفصل الحكم بينهم . القول في تأويل قوله تعالى :
ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ . . .
وَإِنَّ الظَّالِمِينَ
. . . الْمُتَّقِينَ
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ثم جعلناك يا محمد من بعد الذي آتينا بني إسرائيل ، الذين وصفت لك صفتهم
عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ
يقول : على طريقة وسنة ومنهاج من أمرنا الذي أمرنا به من قبلك من رسلنا
فَاتَّبِعْها
يقول : فاتبع تلك الشريعة التي جعلناها لك
وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ
يقول : ولا تتبع ما دعاك إليه الجاهلون بالله ، الذين لا يعرفون الحق من الباطل ، فتعمل به ، فتهلك إن عملت به . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس
ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها
قال : يقول على هدى من الأمر وبينة . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها
والشريعة : الفرائض والحدود والأمر والنهي
فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ
.
حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله :
ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ
قال : الشريعة : الدين . وقرأ
شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ
قال : فنوح أولهم وأنت آخرهم . وقوله :
إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً
يقول تعالى ذكره : إن هؤلاء الجاهلين بربهم ، الذين يدعونك يا محمد إلى اتباع أهوائهم ، لن يغنوا عنك إن أنت اتبعت أهواءهم ، وخالفت شريعة ربك التي شرعها لك من عقاب الله شيئا ، فيدفعوه عنك إن هو عاقبك ، وينقذوك منه . وقوله :
وَإِنَّ الظَّالِمِينَ