تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 77

مساهمون:

ص٧٧
أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ . . .
مُجْرِمِينَ
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : أهؤلاء المشركون يا محمد من قومك خير ، أم قوم تبع ، يعني تبعا الحميري . كما : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قول الله عز وجل :
أَ هُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ
قال : الحميري . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
أَ هُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ
ذكر لنا أن تبعا كان رجلا من حمير ، سار بالجيوش حتى حير الحيرة ، ثم أتى سمرقند فهدمها . وذكر لنا أنه كان إذا كتب كتب باسم الذي تسمى وملك برا وبحرا وصحا وريحا . وذكر لنا أن كعبا كان يقول : نعت نعت الرجل الصالح ذم الله قومه ولم يذمه . وكانت عائشة تقول : لا تسبوا تبعا ، فإنه كان رجلا صالحا . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، قال : قالت عائشة : كان تبع رجلا صالحا . وقال كعب : ذم قومه ولم يذمه . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن تميم بن عبد الرحمن ، عن سعيد بن جبير ، أن تبعا كسا البيت ، ونهى سعيد عن سبه . وقوله
وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
يقول تعالى ذكره : أهؤلاء المشركون من قريش خير أم قوم تبع والذين من قبلهم من الأمم الكافرة بربها ، يقول : فليس هؤلاء بخير من أولئك ، فنصفح عنهم ، ولا نهلكهم ، وهم بالله كافرون ، كما كان الذين أهلكناهم من الأمم من قبلهم كفارا . وقوله :
إِنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ
يقول : إن قوم تبع والذين من قبلهم من الأمم الذين أهلكناهم إنما أهلكناهم لإجرامهم ، وكفرهم بربهم . وقيل : إنهم كانوا مجرمين ، فكسرت ألف " إن " على وجه الابتداء ، وفيها معنى الشرط استغناء بدلالة الكلام على معناها . القول في تأويل قوله تعالى :
وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ . . .
لا يَعْلَمُونَ
يقول تعالى ذكره :
وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ
السبع والأرضين وما بينهما من الخلق لعبا . وقوله :
ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ
يقول : ما خلقنا السماوات والأرض إلا بالحق الذي لا يصلح التدبير إلا به . وإنما يعني بذلك تعالى ذكره التنبيه على صحة البعث والمجازاة ، يقول تعالى ذكره : لم نخلق الخلق عبثا بأن نحدثهم فنحييهم ما أردنا ، ثم نفنيهم من غير الامتحان بالطاعة والأمر والنهي ، وغير مجازاة المطيع على طاعته ، والعاصي على المعصية ، ولكن خلقنا ذلك لنبتلي من أردنا امتحانه من خلقنا بما شئنا من امتحانه من الأمر والنهي
لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى
وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ
يقول تعالى ذكره : ولكن أكثر هؤلاء المشركين بالله لا يعلمون أن الله خلق ذلك لهم ، فهم لا يخافون على ما يأتون من سخط الله عقوبة ، ولا يرجون على خير إن فعلوه ثوابا لتكذيبهم بالمعاد . القول في تأويل قوله تعالى :
إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقاتُهُمْ أَجْمَعِينَ . . .
وَلا هُمْ
. . . الرَّحِيمُ
يقول تعالى ذكره : إن يوم فصل الله القضاء بين خلقه بما أسلفوا في دنياهم من خير أو شر يجزي به المحسن بالإحسان ، والمسئ بالإساءة
مِيقاتُهُمْ أَجْمَعِينَ
يقول : ميقات اجتماعهم أجمعين . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقاتُهُمْ أَجْمَعِينَ
يوم يفصل فيه بين الناس بأعمالهم . وقوله :
يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً
يقول : لا يدفع ابن عم عن ابن عم ، ولا صاحب عن صاحبه شيئا من عقوبة الله التي حلت بهم من الله
وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ
يقول : ولا ينصر بعضهم بعضا ، فيستعيذوا ممن نالهم بعقوبة كما كانوا يفعلونه في الدنيا . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً
الآية ، انقطعت الأسباب يومئذ يا ابن آدم ، وصار الناس إلى أعمالهم ، فمن أصاب يومئذ خيرا سعد به آخر ما عليه ، ومن أصاب يومئذ شرا شقي به آخر ما عليه .