تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 80

مساهمون:

ص٨٠
الْحَمِيمِ
يقول تعالى ذكره :
خُذُوهُ
يعني هذا الأثيم بربه ، الذي أخبر جل ثناؤه أن له شجرة الزقوم طعام
فَاعْتِلُوهُ
يقول تعالى ذكره : فادفعوه وسوقوه ، يقال منه : عتله يعتله عتلا : إذا ساقه بالدفع والجذب ؛ ومنه قول الفرزدق :
ليس الكرام بناحليك أباهم * حتى ترد إلى عطية تعتل
أي تساق دفعا وسحبا . وقوله :
إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ
إلى وسط الجحيم . ومعنى الكلام : يقال يوم القيامة : خذوا هذا الأثيم فسوقوه دفعا في ظهره ، وسحبا إلى وسط النار . وبنحو الذي قلنا في معنى قوله :
فَاعْتِلُوهُ
قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قوله :
خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ
قال : خذوه فادفعوه . وفي قوله :
فَاعْتِلُوهُ
لغتان : كسر التاء ، وهي قراءة بعض قراء أهل المدينة وبعض أهل مكة . والصواب من القراءة في ذلك عندنا أنهما لغتان معروفتان في العرب ، يقال منه : عتل يعتل ويعتل ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال ثنا سعيد ، عن قتادة
إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ
إلى وسط النار . وقوله :
ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ
يقول تعالى ذكره : ثم صبوا على رأس هذا الأثيم من عذاب الحميم ، يعني : من الماء المسخن الذي وصفنا صفته ، وهو الماء الذي قال الله
يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ
وقد بينت صفته هنا لك . القول في تأويل قوله تعالى :
ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ . . .
ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ
يقول تعالى ذكره : يقال لهذا الأثيم الشقي : ذق هذا العذاب الذي تعذب به اليوم
إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ
في قومك
الْكَرِيمُ
عليهم . وذكر أن هذه الآيات نزلت في أبي جهل بن هشام . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ
نزلت في عدو الله أبي جهل لقي النبي صلى الله عليه وسلم ، فأخذه فهزه ، ثم قال : أولى لك يا أبا جهل فأولى ، ثم أولى لك فأولى ، ذق إنك أنت العزيز الكريم ، وذلك أنه قال : أيوعدني محمد ، والله لأنا أعز من مشى بين جبليها . وفيه نزلت
وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً
وفيه نزلت
كَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ
وقال قتادة : نزلت في أبي جهل وأصحابه الذين قتل الله تبارك وتعالى يوم بدر
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ
. حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، قال : نزلت في أبي جهل
خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ
قال قتادة ، قال أبو جهل : ما بين جبليها رجل أعز ولا أكرم مني ، فقال الله عز وجل :
ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ
. حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ
قال : هذا لأبي جهل . فإن قال قائل : وكيف قيل وهو يهان بالعذاب الذي ذكره الله ، ويذل بالعتل إلى سواء الجحيم : إنك أنت العزيز الكريم ؟ قيل : إن قوله :
إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ
غير وصف من قائل ذلك له بالعزة والكرم ، ولكنه تقريع منه له بما كان يصف به نفسه في الدنيا ، وتوبيخ له بذلك على وجه الحكاية ، لأنه كان في الدنيا يقول : إنك أنت العزيز الكريم ، فقيل له في الآخرة ، إذ عذب بما عذب به في النار : ذق هذا الهوان اليوم ، فإنك كنت تزعم إنك أنت العزيز الكريم ، وإنك أنت الذليل المهين ، فأين الذي كنت تقول وتدعي من العز والكرم ، هلا تمتنع من العذاب بعزتك . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا صفوان بن عيسى ؛ قال ثنا ابن عجلان عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة قال : قال كعب : لله ثلاثة أثواب : اتزر بالعز ، وتسربل الرحمة ، وارتدى الكبرياء تعالى ذكره ، فمن تعزز بغير ما أعزه الله فذاك الذي يقال : ذق إنك أنت العزيز الكريم ، ومن رحم الناس فذاك الذي سربل الله سرباله الذي ينبغي له ومن تكبر فذاك الذي نازع الله رداءه
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 80 | محمد بن جرير الطبري