من الأولى . ويعني بقوله :
إِنَّهُ كانَ عالِياً مِنَ الْمُسْرِفِينَ
إنه كان جبارا مستعليا مستكبرا على ربه ،
مِنَ الْمُسْرِفِينَ
يعني : من المتجاوزين ما ليس لهم تجاوزه . وإنما يعني جل ثناؤه أنه كان ذا اعتداء في كفره ، واستكبار على ربه جل ثناؤه . القول في تأويل قوله تعالى :
وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ . . .
مُبِينٌ
يقول تعالى ذكره : ولقد اخترنا بني إسرائيل على علم منا بهم على عالمي أهل زمانهم يومئذ ، وذلك زمان موسى صلوات الله وسلامه عليه . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ
أي اختيروا على أهل زمانهم ذلك ، ولكل زمان عالم . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، في قوله :
وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ
قال : عالم ذلك الزمان . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله :
وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ
قال : على من هم بين ظهرانية . قوله :
وَآتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ ما فِيهِ بَلؤُا مُبِينٌ
يقول تعالى ذكره : وأعطيناهم من العبر والعظات ما فيه اختبار يبين لمن تأمله أنه اختبار اختبرهم الله به . واختلف أهل التأويل في ذلك البلاء ، فقال بعضهم :
ابتلاهم بنعمه عندهم . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
وَآتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ ما فِيهِ بَلؤُا مُبِينٌ
أنجاهم الله من عدوهم ، ثم أقطعهم البحر ، وظلل عليهم الغمام ، وأنزل عليهم المن والسلوى . وقال آخرون : بل ابتلاهم بالرخاء والشدة . ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله :
وَآتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ ما فِيهِ بَلؤُا مُبِينٌ
، وقرأ
وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ
وقال : بلاء مبين لمن آمن بها وكفر بها ، بلوى نبتليهم بها ، نمحصهم بلوى اختبار ، نختبرهم بالخير والشر ، نختبرهم لننظر فيما أتاهم من الآيات من يؤمن بها ، وينتفع بها ويضيعها . وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال : إن الله أخبر أنه آتى بني إسرائيل من الآيات ما فيه ابتلاؤهم واختبارهم ، وقد يكون الابتلاء والاختبار بالرخاء ، ويكون بالشدة ، ولم يضع لنا دليلا من خبر ولا عقل ، أنه عنى بعض ذلك دون بعض ، وقد كان الله اختبرهم بالمعنيين كليهما جميعا . وجائز أن يكون عنى اختباره إياهم بهما ، فإذا كان الأمر على ما وصفنا ، فالصواب من القول فيه أن نقول كما قال جل ثناؤه إنه اختبرهم . القول في تأويل قوله تعالى :
إِنَّ هؤُلاءِ لَيَقُولُونَ . . .
صادِقِينَ
يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل مشركي قريش لنبي الله صلى الله عليه وسلم : إن هؤلاء المشركين من قومك يا محمد
لَيَقُولُونَ إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولى
التي نموتها ، وهي الموتة الأولى
وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ
بعد مماتنا ، ولا بمبعوثين تكذيبا منهم بالبعث والثواب والعقاب . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
إِنَّ هؤُلاءِ لَيَقُولُونَ إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ
قال : قد قال مشركو العرب
وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ
أي :
بمبعوثين . وقوله :
فَأْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
يقول تعالى ذكره : قالوا لمحمد صلى الله عليه وسلم : فأتوا بآبائنا الذين قد ماتوا إن كنتم صادقين ، أن الله باعثنا من بعد بلانا في قبورنا ، ومحيينا من بعد مماتنا ، وخوطب صلى الله عليه وسلم هو وحده خطاب الجميع ، كما قيل :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ
وكما قال
رَبِّ ارْجِعُونِ
وقد بينت ذلك في غير موضع من كتابنا . القول في تأويل قوله تعالى :
أَ هُمْ خَيْرٌ