تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 72

مساهمون:

ص٧٢
وربكم ، واستجرت به منكم أن ترجمون . واختلف أهل التأويل في معنى الرجم الذي استعاذ موسى نبي الله عليه السلام بربه منه ، فقال بعضهم : هو الشتم باللسان . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله :
وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ
قال : يعني رجم القول . حدثني ابن المثنى ، قال : ثنا عثمان بن عمر بن فارس ، قال : ثنا شعبة ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن أبي صالح ، في قوله :
وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ
قال : الرجم : بالقول . حدثنا أبو هشام الرفاعي ، قال : ثنا يحيى بن يمان ، قال : ثنا سفيان ، عن إسماعيل ، عن أبي صالح
وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ
قال : أن تقولوا هو ساحر . وقال آخرون : بل هو الرجم بالحجارة . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ
أي أن ترجمون بالحجارة . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة
أَنْ تَرْجُمُونِ
قال : أن ترجمون بالحجارة . وقال آخرون : بل عنى بقوله :
أَنْ تَرْجُمُونِ
أن تقتلوني . وأولى الأقوال في ذلك بالصواب ما دل عليه ظاهر الكلام ، وهو أن موسى عليه السلام استعاذ بالله من أن يرجمه فرعون وقومه ، والرجم قد يكون قولا باللسان ، وفعلا باليد . والصواب أن يقال : استعاذ موسى بربه من كل معاني رجمهم الذي يصل منه إلى المرجوم أذى ومكروه ، شتما كان ذلك باللسان ، أو رجما بالحجارة باليد . وقوله :
وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ
يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل نبيه موسى عليه السلام لفرعون وقومه : وإن أنتم أيها القوم لم تصدقوني على ما جئتكم به من عند ربي ، فاعتزلون : يقول : فخلوا سبيلي غير مرجوم باللسان ولا باليد . كما : حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة
وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ
أي فخلوا سبيلي . القول في تأويل قوله تعالى :
فَدَعا رَبَّهُ أَنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ . . .
بِعِبادِي
. . . مُغْرَقُونَ
يقول تعالى ذكره : فدعا موسى ربه إذ كذبوه ولم يؤمنوا به ، ولم يؤد إليه عباد الله ، وهموا بقتله بأن هؤلاء ، يعني فرعون وقومه
قَوْمٌ مُجْرِمُونَ
يعني : أنهم مشركون بالله كافرون . وقوله :
فَأَسْرِ بِعِبادِي
وفي الكلام محذوف استغني بدلالة ما ذكر عليه منه ، وهو : فأجابه ربه بأن قال له : فأسر إذ كان الأمر كذلك بعبادي ، وهم بنو إسرائيل ، وإنما معنى الكلام : فأسر بعبادي الذين صدقوك وآمنوا بك ، واتبعوك دون الذين كذبوك منهم ، وأبوا قبول ما جئتهم به من النصيحة منك ، وكان الذين كانوا بهذه الصفة يومئذ بني إسرائيل . وقال :
فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا
لأن معنى ذلك : سربهم بليل قبل الصباح . وقوله :
إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ
يقول : إن فرعون وقومه من القبط متبعوكم إذا شخصتم عن بلدهم وأرضهم في آثاركم . وقوله :
وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً
يقول : وإذا قطعت البحر أنت وأصحابك ، فاتركه ساكنا على حاله التي كان عليها حين دخلته . وقيل : إن الله تعالى ذكره قال لموسى هذا القول بعد ما قطع البحر ببني إسرائيل فإذ كان ذلك كذلك ، ففي الكلام محذوف ، وهو : فسرى موسى بعبادي ليلا ، وقطع بهم البحر ، فقلنا له بعد ما قطعه ، وأراد رد البحر إلى هيئته التي كان عليها قبل انفلاقه : اتركه رهوا . ذكر من قال ما ذكرنا من الله عز وجل قال لموسى صلى الله عليه وسلم هذا القول بعد ما قطع البحر بقومه : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
فَدَعا رَبَّهُ أَنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ
حتى بلغ
إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ
قال : لما خرج آخر بني إسرائيل أراد نبي الله صلى الله عليه وسلم أن يضرب البحر بعصاه ، حتى يعود كما كان مخافة آل فرعون أن يدركوهم ، فقيل له :
اتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ
. حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، قال : لما قطع البحر ،
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 72 | محمد بن جرير الطبري