تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 69

مساهمون:

ص٦٩
في سياق خطاب الله كفار قريش وتقريعه إياهم بشركهم بقوله :
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ ، بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ
ثم أتبع ذلك قوله لنبيه عليه الصلاة والسلام :
فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ
أمرا منه له بالصبر إلى أن يأتيهم بأسه وتهديدا للمشركين فهو بأن يكون إذ كان وعيدا لهم قد أحله بهم أشبه من أن يكون آخره عنهم لغيرهم ، وبعد ، فإنه غير منكر أن يكون أحل بالكفار الذين توعدهم بهذا الوعيد ما توعدهم ، ويكون محلا فيما يستأنف بعد بآخرين دخانا على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندنا كذلك ، لأن الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تظاهرت بأن ذلك كائن ، فإنه قد كان ما روى عنه عبد الله بن مسعود ، فكلا الخبرين اللذين رويا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيح . وإن كان تأويل الآية في هذا الموضع ما قلنا ، فإذ كان الذي قلنا في ذلك أولى التأويلين ، فبين أن معناه : فانتظر يا محمد لمشركي قومك يوم تأتيهم السماء من البلاء الذي يحل بهم على كفرهم بمثل الدخان المبين لمن تأمله أنه دخان .
يَغْشَى النَّاسَ
يقول : يغشى أبصارهم من الجهد الذي يصيبهم .
هذا عَذابٌ أَلِيمٌ
يعني أنهم يقولون مما نالهم من ذلك الكرب والجهد : هذا عذاب أليم . وهو الموجع ، وترك من الكلام " يقولون " استغناء بمعرفة السامعين معناه من ذكرها . وقوله :
رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ
يعني أن الكافرين الذين يصيبهم ذلك الجهد يضرعون إلى ربهم بمسألتهم إياه كشف ذلك الجهد عنهم ، ويقولون : إنك إن كشفته آمنا بك وعبدناك من دون كل معبود سواك ، كما أخبر عنهم جل ثناؤه
رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ
. القول في تأويل قوله تعالى :
أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ . . .
عائِدُونَ
يقول تعالى ذكره : من أي وجه لهؤلاء المشركين التذكر من بعد نزول البلاء بهم ، وقد تولوا عن رسولنا حين جاءهم مدبرين عنه ، لا يتذكرون بما يتلى عليهم من كتابنا ، ولا يتعظون بما يعظهم به من حججنا ، ويقولون : إنما هو مجنون علم هذا الكلام . وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله :
أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى
قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثنى معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، في قوله :
أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى
يقول : كيف لهم . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد
أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى
بعد وقوع هذا البلاء . وبنحو الذي قلنا أيضا في قوله :
ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ
قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد
ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ
قال : تولوا عن محمد عليه الصلاة والسلام ، وقالوا : معلم مجنون . وقوله :
إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا
يقول تعالى ذكره لهؤلاء المشركين الذين أخبر عنهم أنهم يستغيثون به من الدخان النازل والعذاب الحال بهم من الجهد ، وأخبر عنهم أنهم يعاهدونه أنه إن كشف العذاب عنهم آمنوا
إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ
يعني الضر النازل بهم بالخصب الذي نحدثه لهم
قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ
يقول : إنكم أيها المشركون إذا كشفت عنكم ما بكم من ضر لم تفوا بما تعدون وتعاهدون عليه ربكم من الإيمان ، ولكنكم تعودون في ضلالتكم وغيكم ، وما كنتم قبل أن يكشف عنكم . وكان قتادة يقول : معناه : إنكم عائدون في عذاب الله . حدثنا بذلك ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر عنه قتادة وأما الذين قالوا : عنى بقوله :
يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 69 | محمد بن جرير الطبري