السنة في ليلة القدر . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله :
فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ
قال : في ليلة القدر كل أمر يكون في السنة إلى السنة : الحياة والموت ، يقدر فيها المعايش والمصائب كلها . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ
ليلة القدر
فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ
كما نحدث أنه يفرق فيها أمر السنة إلى السنة . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، قال : هي ليلة القدر فيها يقضى ما يكون من السنة إلى السنة . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن منصور ، قال : سألت مجاهد ا ، فقلت : أرأيت دعاء أحدنا يقول : اللهم إن كان اسمي في السعداء ، فأثبته فيهم ، وإن كان في الأشقياء فامحه منهم ، واجعله بالسعداء ، فقال : حسن ، ثم لقيته بعد ذلك بحول أو أكثر من ذلك ، فسألته عن هذا الدعاء ، قال :
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ
قال : يقضي في ليلة القدر ما يكون في السنة من رزق أو مصيبة ، ثم يقدم ما يشاء ، ويؤخر ما يشاء فأما كتاب السعادة والشقاء فهو ثابت لا يغير . وقال آخرون : بل هي ليلة النصف من شعبان . ذكر من قال ذلك : حدثنا الفضل بن الصباح ، والحسن بن عرفة ، قالا : ثنا الحسن بن إسماعيل البجلي ، عن محمد بن سوقة ، عن عكرمة في قول الله تبارك وتعالى :
فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ
قال : في ليلة النصف من شعبان ، يبرم فيه أمر السنة ، وتنسخ الأحياء من الأموات ، ويكتب الحاج فلا يزاد فيهم أحد ، ولا ينقص منهم أحد .
حدثني عبيد بن آدم بن أبي إياس ، قال : ثنا أبي ، قال : ثنا الليث ، عن عقيل بن خالد ، عن ابن شهاب ، عن عثمان بن محمد بن المغيرة بن الأخنس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " تقطع الآجال من شعبان إلى شعبان حتى إن الرجل لينكح ويولد له وقد خرج اسمه في الموتى " . حدثني محمد بن معمر ، قال : ثنا أبو هشام ، قال ثنا عبد الواحد ، قال : ثنا عثمان بن حكيم ، قال : ثنا سعيد بن جبير ، قال : قال ابن عباس : إن الرجل ليمشي في الناس وقد رفع في الأموات ، قال : ثم قرأ هذه الآية
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ
قال : ثم قال : يفرق فيها أمر الدنيا من السنة إلى السنة . وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال : ذلك ليلة القدر لما قد تقدم من بياننا عن أن المعني بقوله :
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ
ليلة القدر ، والهاء في قوله :
فِيها
من ذكر الليلة المباركة . وعني بقوله :
فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ
في هذه الليلة المباركة يقضى ويفصل كل أمر أحكمه الله تعالى في تلك السنة إلى مثلها من السنة الأخرى ، ووضع حكيم موضع محكم ، كما قال :
ألم تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ
يعني المحكم . وقوله :
أَمْراً مِنْ عِنْدِنا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ
يقول تعالى ذكره : في هذه الليلة المباركة يفرق كل أمر حكيم ، أمرا من عندنا . واختلف أهل العربية في وجه نصب قوله :
أَمْراً
فقال بعض نحويي الكوفة : نصب على إنا أنزلناه أمرا ورحمة على الحال . وقال بعض نحويي البصرة : نصب على معنى يفرق كل أمر فرقا وأمرا . قال : وكذلك قوله :
رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ
قال : ويجوز أن تنصب الرحمة بوقوع مرسلين عليها ، فجعل الرحمة للنبي صلى الله عليه وسلم . وقوله :
إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ
يقول تعالى ذكره : إنا كنا مرسلي رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم إلى عبادنا .
رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ
يا محمد
إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
يقول : إن الله تبارك وتعالى هو السميع لما يقول هؤلاء المشركون فيما أنزلنا من كتابنا ، وأرسلنا من رسلنا إليهم ، وغير ذلك من منطقهم ومنطق غيرهم ، العليم بما تنطوي عليه ضمائرهم ، وغير ذلك من أمورهم وأمور غيرهم . القول في تأويل قوله تعالى :
رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما . . .
فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ