تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 11

مساهمون:

ص١١
ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ
قال : أنكرها المشركون ، وكبر عليهم شهادة أن لا إله إلا الله ، فصادمها إبليس وجنوده ، فأبى الله تبارك وتعالى إلا أن يمضيها وينصرها ويفلجها ويظهرها على من ناوأها . وقوله :
اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ
يقول : الله يصطفي إليه من يشاء من خلقه ، ويختار لنفسه ، وولايته من أحب . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال ثنا عيسى ، وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله :
اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ
يقول : ويوفق للعمل بطاعته ، واتباع ما بعث به نبيه عليه الصلاة والسلام من الحق من أقبل إلى طاعته ، وراجع التوبة من معاصيه . كما : حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي
وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ
من يقبل إلى طاعة الله . القول في تأويل قوله تعالى :
وَما تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ . . .
وَإِنَّ الَّذِينَ . . .
مُرِيبٍ
يقول تعالى ذكره : وما تفرق المشركون بالله في أديانهم فصاروا أحزابا ، إلا من بعد ما جاءهم العلم ، بأن الذي أمرهم الله به ، وبعث به نوحا ، هو إقامة الدين الحق ، وأن لا تتفرقوا فيه . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة
وَما تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ
فقال : إياكم والفرقة فإنها هلكة
بَغْياً بَيْنَهُمْ
يقول : بغيا من بعضكم على بعض وحسدا وعداوة على طلب الدنيا .
وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى
يقول جل ثناؤه : ولولا قول سبق يا محمد من ربك لا يعاجلهم بالعذاب ، ولكنه أخر ذلك إلى أجل مسمى ، وذلك الأجل المسمى فيما ذكر : يوم القيامة . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي
وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى
قال : يوم القيامة . وقوله :
لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ
يقول : لفرغ ربك من الحكم بين هؤلاء المختلفين في الحق الذي بعث به نبيه نوحا من بعد علمهم به ، بإهلاكه أهل الباطل منهم ، وإظهاره أهل الحق عليهم . وقوله :
وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ
يقول : وإن الذين أتاهم الله من بعد هؤلاء المختلفين في الحق كتابه التوراة والإنجيل .
لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ
يقول : لفي شك من الدين الذي وصى الله به نوحا ، وأوحاه إليك يا محمد ، وأمركما بإقامته مريب . وبنحو الذي قلنا في معنى قوله :
وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ
قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قوله :
وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ
قال : اليهود والنصارى . القول في تأويل قوله تعالى :
فَلِذلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ . . .
وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ . . .
وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ
يقول تعالى ذكره : فإلى ذلك الدين الذي شرع لكم ، ووصى به نوحا ، وأوحاه إليك يا محمد ، فادع عباد الله ، واستقم على العمل به ، ولا تزغ عنه ، وأثبت عليه كما أمرك ربك بالاستقامة . وقيل : فلذلك فادع ، والمعنى : فإلى ذلك ، فوضعت اللام موضع إلى ، كما قيل :
بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها
وقد بينا ذلك في غير موضع من كتابنا هذا . وكان بعض أهل العربية يوجه معنى ذلك ، في قوله :
فَلِذلِكَ فَادْعُ
إلى معنى هذا ، ويقول : معنى الكلام : فإلى هذا القرآن فادع واستقم . والذي قال من هذا القول قريب المعنى مما قلناه ، غير أن الذي قلنا في ذلك أولى بتأويل الكلام ، لأنه في سياق خبر الله جل ثناؤه عما شرع لكم من الدين لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم بإقامته ، ولم يأت من الكلام ما يدل على انصرافه عنه
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 11 | محمد بن جرير الطبري