الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ
يقول : يوسع رزقه وفضله على من يشاء من خلقه ، ويبسط له ، ويكثر ماله ويغنيه .
وَيَقْدِرُ
: يقول : ويقتر على من يشاء منهم فيضيقه ويفقره .
إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
يقول : إن الله تبارك وتعالى بكل ما يفعل من توسيعه على من يوسع ، وتقتيره على من يقتر ، ومن الذي يصلحه البسط عليه في الرزق ، ويفسده من خلقه ، والذي يصلحه التقتير عليه ويفسده ، وغير ذلك من الأمور ، ذو علم لا يخفى عليه موضع البسط والتقتير وغيره ، من صلاح تدبير خلقه . يقول تعالى ذكره : فإلى من له مقاليد السماوات والأرض الذي صفته ما وصفت لكم في هذه الآيات أيها الناس فارغبوا ، وإياه فاعبدوا مخلصين له الدين لا الأوثان والآلهة والأصنام ، التي لا تملك لكم ضرا ولا نفعا .
القول في تأويل قوله تعالى :
شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى . . .
ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ
. . . يُنِيبُ
يقول تعالى ذكره :
شَرَعَ لَكُمْ
ربكم أيها الناس
مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً
أن يعمله
وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ
يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : وشرع لكم من الدين الذي أوحينا إليك يا محمد ، فأمرناك به
وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ
يقول : شرع لكم من الدين ، أن أقيموا الدين " فأن " إذ كان ذلك معنى الكلام ، في موضع نصب على الترجمة بها عن " ما " التي في قوله :
ما وَصَّى بِهِ نُوحاً
. ويجوز أن تكون في موضع خفض ردا على الهاء التي في قوله :
بِهِ
وتفسيرا عنها ، فيكون معنى الكلام حينئذ : شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا ، أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه . وجائز أن تكون في موضع رفع على الاستئناف ، فيكون معنى الكلام حينئذ :
شرع لكم من الدين ما وصى به ، وهو أن أقيموا الدين . وإذ كان معنى الكلام ما وصفت ، فمعلوم أن الذي أوصى به جميع هؤلاء الأنبياء وصية واحدة ، وهي إقامة الدين الحق ، ولا تتفرقوا فيه . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله :
ما وَصَّى بِهِ نُوحاً
قال : ما أوصاك به وأنبيائه ، كلهم دين واحد . حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، في قوله :
شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً
قال : هو الدين كله .
حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً
بعث نوح حين بعث بالشريعة بتحليل الحلال ، وتحريم الحرام
وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى
.
حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة
شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً
قال : الحلال والحرام . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله :
شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً
إلى آخر الآية ، قال : حسبك ما قيل لك . وعنى بقوله :
أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ
أن اعملوا به على ما شرع لكم وفرض ، كما قد بينا فيما مضى قبل في قوله :
أَقِيمُوا الصَّلاةَ
. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، في قوله :
أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ
قال : اعملوا به . وقوله :
وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ
يقول : ولا تختلفوا في الدين الذي أمرتم بالقيام به ، كما اختلف الأحزاب من قبلكم .
كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ
تعلموا أن الفرقة هلكة ، وأن الجماعة ثقة . وقوله :
كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : كبر على المشركين بالله من قومك يا محمد ما تدعوهم إليه من إخلاص العبادة لله ، وإفراده بالألوهية والبراءة مما سواه من الآلهة والأنداد . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .