بالقوم الذين يرجع بهم إلى الجنة ، فيخفف عنهم ما هم فيه من العذاب ، وذلك كقوله جل ثناؤه مخبرا عنهم :
قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا
إلى قوله
وَلا تُكَلِّمُونِ
وكقولهم لخزنة جهنم :
ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنَ الْعَذابِ
إلى قوله :
وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ
. القول في تأويل قوله تعالى :
وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ . . .
مِنْ قَبْلِهِمْ
. . . خاسِرِينَ
يعنى تعالى ذكره بقوله :
وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ
وبعثنا لهم نظراء من الشياطين ، فجعلناهم لهم قرناء قرناهم بهم يزينون لهم قبائح أعمالهم ، فزينوا لهم ذلك . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي
وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ
قال : الشيطان . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قوله :
وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ
قال : شياطين . وقوله :
فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ
يقول : فزين لهؤلاء الكفار قرناؤهم من الشياطين ما بين أيديهم من أمر الدنيا . فحسنوا ذلك لهم وحببوه إليهم حتى آثروه على أمر الآخرة
وَما خَلْفَهُمْ
يقول : وحسنوا لهم أيضا ما بعد مماتهم بأن دعوهم إلى التكذيب بالمعاد ، وأن من هلك منهم ، فلن يبعث ، وأن لا ثواب ولا عقاب حتى صدقوهم على ذلك ، وسهل عليهم فعل كل ما يشتهونه ، وركوب كل ما يلتذونه من الفواحش باستحسانهم ذلك لأنفسهم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي
فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ
من أمر الدنيا
وَما خَلْفَهُمْ
من أمر الآخرة . وقوله :
وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ
يقول تعالى ذكره : ووجب لهم العذاب بركوبهم ما ركبوا مما زين لهم قرناؤهم وهم من الشياطين ، كما : حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي
وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ
قال : العذاب .
فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ
، يقول تعالى ذكره : وحق على هؤلاء الذين قيضنا لهم قرناء من الشياطين ، فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم العذاب في أمم قد مضت قبلهم من ضربائهم ، حق عليهم من عذابنا مثل الذي حق على هؤلاء بعضهم من الجن وبعضهم من الإنس .
إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ
يقول : إن تلك الأمم الذين حق عليهم عذابنا من الجن والإنس ، كانوا مغبونين ببيعهم رضا الله ورحمته بسخطه وعذابه . القول في تأويل قوله تعالى :
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ . . .
الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ
يقول تعالى ذكره :
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا
بالله ورسوله من مشركي قريش :
لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ
يقول : قالوا للذين يطيعونهم من أوليائهم من المشركين : لا تسمعوا لقارئ هذا القرآن إذا قرأه ، ولا تصغوا له ، ولا تتبعوا ما فيه فتعملوا به ، كما : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس قوله :
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ
قال : هذا قول المشركين ، قالوا : لا تتبعوا هذا القرآن والهوا عنه . وقوله :
وَالْغَوْا فِيهِ
يقول : الغطوا بالباطل من القول إذا سمعتم قارئه يقرؤه كيما لا تسمعوه ، ولا تفهموا ما فيه .
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا حكام ، عن عنبسة ، عن محمد بن عبد الرحمن ، عن القاسم بن أبي بزة ، عن مجاهد ، في قول الله :
لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ
قال : المكاء والتصفير ، وتخليط من القول على رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ ، قريش تفعله . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله :
وَالْغَوْا