تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 70

مساهمون:

ص٧٠
أترون أن اللّه يسمع ما نقول فقال الرجلان إذا رفعنا أصواتنا سمع وإذا لم نرفع لم يسمع فأتيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فذكرت له ذلك فنزلت هذه الآية وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم إلى آخر الآية ( حدثنا ) محمد بن بشار قال ثنا يحيى بن سعيد قال ثنا سفيان قال ثنى الأعمش عن عمارة بن عمير عن وهب بن ربيعة عن عبد اللّه بن مسعود قال إني لمستتر بأستار الكعبة إذ دخل ثلاثة نفر ثقفىّ وختناه قرشيان قليل فقه قلوبهما كثير شحوم بطونهما فتحدثوا بينهم بحديث فقال أحدهم أترى اللّه يسمع ما قلنا فقال الآخر انه يسمع إذا رفعنا ولا يسمع إذا خفضنا وقال الآخر إذا كان يسمع منه شيا فهو يسمعه كله قال فأتيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فذكرت ذلك له فنزلت هذه الآية وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم فقرأ حتى بلغ وان يستعتبوا فما هم من المعتبين ( حدّثنا ) ابن بشار قال ثنا يحيى قال ثنا سفيان قال ثنى منصور عن مجاهد عن أبي معمر ، عن عبد الله بنحوه . القول في تأويل قوله تعالى :
وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ
يقول تعالى ذكره : وهذا الذي كان منكم في الدنيا من ظنكم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون من قبائح أعمالكم ومساويها ، هو ظنكم الذي ظننتم بربكم في الدنيا أرداكم ، يعني أهلككم . يقال منه : أردى فلانا كذا وكذا : إذا أهلكه ، وردي هو : إذا هلك ، فهو يردى ردى ؛ ومنه قول الأعشى :
أفي الطوف خفت علي الردى * وكم من رد أهله لم يرم
يعني : وكم من ها لك أهله لم يرم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قوله :
أَرْداكُمْ
قال : أهلككم . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، قال : تلا الحسن :
وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ
فقال : إنما عمل الناس على قدر ظنونهم بربهم ؛ فأما المؤمن فأحسن بالله الظن ، فأحسن العمل ؛ وأما الكافر والمنافق ، فأساءا الظن فأساءا العمل ، قال ربكم :
وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ
حتى بلغ : الخاسرين . قال معمر : وحدثني وجل : أنه يؤمر برجل إلى النار ، فيلتفت فيقول : يا رب ما كان هذا ظني بك ، قال : وما كان ظنك بي ؟ قال : كان ظني أن تغفر لي ولا تعذبني ، قال : فإني عند ظنك بي . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قال : الظن ظنان ، فظن منج ، وظن مرد قال :
الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ
قال
إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ
، وهذا الظن المنجي ظنا يقينا ، وقال هاهنا :
وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ
هذا ظن مرد . وقوله : وقال الكافرون
إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ
وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول ويروي ذلك عن ربه : " عبدي عند ظنه بي ، وأنا معه إذا دعاني " . وموضع قوله :
ذلِكُمْ
رفع بقوله
ظَنُّكُمُ
. وإذا كان ذلك كذلك ، كان قوله :
أَرْداكُمْ
في موضع نصب بمعنى : مرديا لكم . وقد يحتمل أن يكون في موضع رفع بالاستئناف ، بمعنى : مرد لكم ، كما قال :
تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ هُدىً وَرَحْمَةً
في قراءة من قرأه بالرفع . فمعنى الكلام : هذا الظن الذي ظننتم بربكم من أنه لا يعلم كثيرا مما تعملون هو الذي أهلككم ، لأنكم من أجل هذا الظن اجترأتم على محارم الله فقدمتم عليها ، وركبتم ما نهاكم الله عنه ، فأهلككم ذلك وأرداكم .
فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ
يقول : فأصبحتم اليوم من الهالكين ، قد غبنتم ببيعكم منازلكم من الجنة بمنازل أهل الجنة من النار . القول في تأويل قوله تعالى
فَإِنْ يَصْبِرُوا . . .
مِنَ الْمُعْتَبِينَ
يقول تعالى ذكره : فإن يصبر هؤلاء الذين يحشرون إلى النار على النار ، فالنار مسكن لهم ومنزل .
وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا
يقول : وإن يسألوا العتبى ، وهي الرجعة لهم إلى الذي يحبون بتخفيف العذاب عنهم .
فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ
يقول : فليسوا