تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 60

مساهمون:

ص٦٠
الحجاب الذي زعموا أنه بينهم وبين نبي الله ، وذلك هو خلاف بعضهم بعضا في الدين . وقوله :
فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ
يقول : قالوا له صلى الله عليه وسلم : فاعمل يا محمد بدينك وما تقول إنه الحق ، إننا عاملون بديننا ، وما تقول إنه الحق ، ودع دعاءنا إلى ما تدعونا إليه من دينك ، فإنا ندع دعاءك إلى ديننا . وأدخلت " من " في قوله
وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ
والمعنى : وبيننا وبينك حجاب ، توكيدا للكلام . القول في تأويل قوله تعالى :
قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ . . .
فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ
. . . كافِرُونَ
يقول تعالى ذكره : قل يا محمد لهؤلاء المعرضين عن آيات الله من قومك : أيها القوم ، ما أنا إلا بشر من بني آدم مثلكم في الجنس والصورة والهيئة لست بملك
يُوحى إِلَيَّ
يوحي الله إلى أن لا معبود لكم تصلح عبادته إلا معبود واحد .
فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ
يقول : فاستقيموا إليه بالطاعة ، ووجهوا إليه وجوهكم بالرغبة والعبادة دون الآلهة والأوثان .
وَاسْتَغْفِرُوهُ
يقول : وسلوه العفو لكم عن ذنوبكم التي سلفت منكم بالتوبة من شرككم ، يتب عليكم ويغفر لكم . وقوله :
وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ
يقول تعالى ذكره : وصديد أهل النار ، وما يسيل منهم للمدعين لله شريكا العابدين الأوثان دونه الذين لا يؤتون الزكاة . اختلف أهل التأويل في ذلك ، فقال بعضهم : معناه : الذين لا يعطون الله الطاعة التي تطهرهم ، وتزكي أبدانهم ، ولا يوحدونه ؛ وذلك قول يذكر عن ابن عباس . ذكر الرواية بذلك : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله :
وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ
قال : هم الذين لا يشهدون أن لا إله إلا الله . حدثني سعد بن عبد الله بن عبد الحكم ، قال : ثنا حفص ، قال : ثنا الحكم بن أبان ، عن عكرمة ، قوله :
وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ
الذين لا يقولون لا إله إلا الله . وقال آخرون : بل معنى ذلك : الذين لا يقرون بزكاة أموالهم التي فرضها الله فيها ، ولا يعطونها أهلها . وقد ذكرنا أيضا قائلي ذلك قبل . وقد : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ
قال : لا يقرون بها ولا يؤمنون بها . وكان يقال : إن الزكاة قنطرة الإسلام ، فمن قطعها نجا ، ومن تخلف عنها هلك ؛ وقد كان أهل الردة بعد نبي الله قالوا : أما الصلاة فنصلي ، وأما الزكاة فوالله لا تغصب أموالنا ؛ قال : فقال أبو بكر : والله لا أفرق بين شيء جمع الله بينه ؛ والله لو منعوني عقالا مما فرض الله ورسوله لقاتلناهم عليه . حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي
وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ
قال : لو زكوا وهم مشركون لم ينفعهم . والصواب من القول في ذلك ما قاله الذين قالوا : معناه : لا يؤدون زكاة أموالهم ؛ وذلك أن ذلك هو الأشهر من معنى الزكاة ، وأن في قوله :
وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ
دليلا على أن ذلك كذلك ، لأن الكفار الذين عنوا بهذه الآية كانوا لا يشهدون أن لا إله إلا الله ، فلو كان قوله :
الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ
مرادا به الذين لا يشهدون أن لا إله إلا الله لم يكن لقوله :
وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ
معنى ، لأنه معلوم أن من لا يشهد أن لا إله إلا الله لا يؤمن بالآخرة ، وفي اتباع الله قوله :
وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ
قوله
الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ
ما ينبئ عن أن الزكاة في هذا الموضع معني بها زكاة الأموال . وقوله :
وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ
يقول : وهم بقيام الساعة ، وبعث الله خلقه أحياء من قبورهم ، من بعد بلائهم وفنائهم منكرون . القول في تأويل قوله تعالى
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ . . .
بِالَّذِي خَلَقَ . . .
الْعالَمِينَ
يقول تعالى ذكره : إن الذين صدقوا الله ورسوله ، وعملوا بما أمرهم الله به ورسوله ، وانتهوا عما نهاهم عنه ، وذلك هو الصالحات من