تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 59

مساهمون:

ص٥٩

[ تفسير سورة فصلت ]

القول في تأويل قوله تعالى
حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ . . .
عَرَبِيًّا
. . . لا يَسْمَعُونَ
قال أبو جعفر : قد تقدم القول منا فيما مضى قبل ، في معنى
حم
والقول في هذا الموضع كالقول في ذلك . وقوله :
تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
يقول تعالى ذكره : هذا القرآن تنزيل من عند الرحمن الرحيم نزله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم .
كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ
يقول : كتاب بينت آياته ؛ كما : حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قوله :
فُصِّلَتْ آياتُهُ
قال : بينت آياته . وقوله :
قُرْآناً عَرَبِيًّا
يقول تعالى ذكره : فصلت آياته هكذا . وقد اختلف أهل العربية في وجه نصب القرآن ، فقال بعض نحويي البصرة قوله :
كِتابٌ فُصِّلَتْ
الكتاب خبر لمبتدأ أخبر أن التنزيل كتاب ، ثم قال :
فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا
شغل الفعل بالآيات حتى صارت بمنزلة الفاعل ، فنصب القرآن ، وقال :
بَشِيراً وَنَذِيراً
على أنه صفة ، وإن شئت جعلت نصبه على المدح كأنه حين ذكره أقبل في مدحته ، فقال : ذكرنا قرآنا عربيا بشيرا ونذيرا ، وذكرناه قرآنا عربيا ، وكان فيما مضى من ذكره دليل على ما أضمر . وقال بعض نحويي الكوفة : نصب قرآنا على الفعل : أي فصلت آياته كذلك . قال : وقد يكون النصب فيه على القطع ، لأن الكلام تام عند قوله " آياته " . قال : ولو كان رفعا على أنه من نعت الكتاب كان صوابا ، كما قال في موضع آخر :
كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ
وقال : وكذلك قوله :
بَشِيراً وَنَذِيراً
فيه ما في
قُرْآناً عَرَبِيًّا
. وقوله :
لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
يقول : فصلت آيات هذا الكتاب قرآنا عربيا لقوم يعلمون اللسان العربي . بشيرا لهم يبشرهم إن هم آمنوا به ، وعملوا بما أنزل فيه من حدود الله وفرائضه بالجنة ،
وَنَذِيراً
يقول : ومنذرا من كذب به ولم يعمل بما فيه بأمر الله في عاجل الدنيا ، وخلود الأبد في نار جهنم في آجل الآخرة . وقوله :
فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ
يقول تعالى ذكره : فاستكبر عن الإصغاء له وتدبر ما فيه من حجج الله ، وأعرض عنه أكثر هؤلاء القوم الذين أنزل هذا القرآن بشيرا لهم ونذيرا ، وهم قوم رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ
يقول : فهم لا يصغون له فيسمعوه إعراضا عنه واستكبارا . القول في تأويل قوله تعالى :
وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ . . .
عامِلُونَ
يقول تعالى ذكره : وقال هؤلاء المشركون المعرضون عن آيات الله من مشركي قريش إذ دعاهم محمد نبي الله إلى الإقرار بتوحيد الله وتصديق ما في هذا القرآن من أمر الله ونهيه ، وسائر ما أنزل فيه
قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ
يقول : في أغطية
مِمَّا تَدْعُونا
يا محمد
إِلَيْهِ
من توحيد الله ، وتصديقك فيما جئتنا به ، لا نفقه ما تقول
وَفِي آذانِنا وَقْرٌ
وهو الثقل ، لا نسمع ما تدعونا إليه استثقالا لما يدعو إليه وكراهة له . وقد مضى البيان قبل عن معاني هذه الأحرف بشواهده ، وذكر ما قال أهل التأويل فيه ، فكرهنا إعادة ذلك في هذا الموضع . وقد : حدثني محمد بن عمرو قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله :
قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ
قال : عليها أغطية كالجعبة للنبل . حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قوله :
وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ
قال : عليها أغطية
وَفِي آذانِنا وَقْرٌ
قال : صمم . وقوله :
وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ
يقولون : ومن بيننا وبينك يا محمد ساتر لا نجتمع من أجله نحن وأنت ، فيرى بعضنا بعضا ، وذلك الحجاب هو اختلافهم في الدين ، لأن دينهم كان عبادة الأوثان ، ودين محمد صلى الله عليه وسلم عبادة الله وحده لا شريك له ، فذلك هو