تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 58

مساهمون:

ص٥٨
يقول : فلهؤلاء المجادليك من قومك يا محمد في أولئك معتبر إن اعتبروا ، ومتعظ إن اتعظوا ، وإن بأسنا إذا حل بالقوم المجرمين لم يدفعه دافع ، ولم يمنعه مانع ، وهو بهم إن لم ينيبوا إلى تصديقك واقع . القول في تأويل قوله تعالى :
فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا . . .
ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ
يقول تعالى ذكره : فلما جاءت هؤلاء الأمم الذين من قبل قريش المكذبة رسلها رسلهم الذين أرسلهم الله إليهم بالبينات ، يعني : بالواضحات من حجج عز وجل
فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ
يقول : فرحوا جهلا منهم بما عندهم من العلم وقالوا : لن نبعث ، ولن يعذبنا الله . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن أبن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله
فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ
قال : قولهم : نحن أعلم منهم ، لن نعذب ، ولن نبعث . حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي
فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ
بجهالتهم . وقوله :
وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ
يقول : وحاق بهم من عذاب الله ما كانوا يستعجلون رسلهم به استهزاء وسخرية . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله :
وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ
ما جاءتهم به رسلهم من الحق . القول في تأويل قوله تعالى :
فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا
. . . مُشْرِكِينَ
يقول تعالى ذكره : فلما رأت هذه الأمم المكذبة رسلها بأسنا ، يعني عقاب الله الذي وعدتهم به رسلهم قد حل بهم ، كما : حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي
فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا
قال : النقمات التي نزلت بهم . وقوله
قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ
يقول : قالوا : أقررنا بتوحيد الله ، وصدقنا أنه لا اله غيره
وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ
يقول : وجحدنا الآلهة التي كنا قبل وقتنا هذا نشركها في عبادتنا الله ونعبدها معه ، ونتخذها آلهة ، فبرئنا منها . القول في تأويل قوله تعالى :
فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا . . .
فِي عِبادِهِ
. . . الْكافِرُونَ
يقول تعالى ذكره : فلم يك ينفعهم تصديقهم في الدنيا بتوحيد الله عند معاينة عقابه قد نزل ، وعذابه قد حل ، لأنهم صدقوا حين لا ينفع التصديق مصدقا ، إذ كان قد مضى حكم الله في السابق من علمه ، أن من تاب بعد نزول العذاب من الله على تكذيبه لم تنفعه توبته . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله :
فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا
لما رأوا عذاب الله في الدنيا لم ينفعهم الإيمان عند ذلك . وقوله :
سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ
يقول : ترك الله تبارك وتعالى إقالتهم ، وقبول التوبة منهم ، ومراجعتهم الإيمان بالله ، وتصديق رسلهم بعد معاينتهم بأسه ، قد نزل بهم سنته التي قد مضت في خلقه ، فلذلك لم يقلهم ولم يقبل‌توبتهم في تلك الحال ، كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ
يقول : كذلك كانت سنة الله في الذين خلوا من قبل إذا عاينوا عذاب الله لم ينفعهم إيمانهم عند ذلك . وقوله :
وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ
يقول : وهلك عند مجيء بأس الله ، فغبنت صفقته ووضع في بيعه الآخرة بالدنيا ، والمغفرة بالعذاب ، والإيمان بالكفر ، الكافرون بربهم الجاحدون توحيد خالقهم ، المتخذون من دونه آلهة يعبدونهم من دون بارئهم . آخر تفسير سورة حم المؤمن .
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 58 | محمد بن جرير الطبري