تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 99

مساهمون:

ص٩٩
قرأ ذلك قراء المدينة والبصرة وبعض الكوفيين . وقرأه بعض المكيين وعامة قراء الكوفيين بفتح السين
سَدًّا
في الحرفين كلاهما ؛ والضم أعجب القراءتين إلى في ذلك ، وإن كانت الأخرى جائزة صحيحة . وعنى بقوله :
وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا
أنه زين لهم سوء أعمالهم ، فهم يعمهون ، ولا يبصرون رشدا ، ولا يتنبهون حقا . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني ابن حميد ، قال : ثنا حكام ، عن عنبسة ، عن محمد بن عبد الرحمن ، عن القاسم بن أبي بزة ، عن مجاهد ، في قوله :
مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا
قال : عن الحق حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد
وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا
عن الحق فهم يترددون حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا
قال : ضلالات حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قول الله :
وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ
قال : جعل هذا سدا بينهم وبين الإسلام والإيمان ، فهم لا يخلصون إليه ، وقرأ :
وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
وقرأ :
إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ
الآية كلها ، وقال : من منعه الله لا يستطيع وقوله :
فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ
يقول : فأغشينا أبصار هؤلاء : أي جعلنا عليها غشاوة فهم لا يبصرون هدى ولا ينتفعون به ، كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ
هدى ، ولا ينتفعون به وذكر أن هذه الآية نزلت في أبي جهل بن هشام حين حلف أن يقتله أو يشدخ رأسه بصخرة . ذكر الرواية بذلك : حدثني عمران بن موسى ، قال : ثنا عبد الوارث بن سعيد ، قال : ثنا عمارة بن أبي حفصة ، عن عكرمة قال : قال أبو جهل : لئن رأيت محمدا لأفعلن ولأفعلن ، فأنزلت :
إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا
إلى قوله
فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ
قال : فكانوا يقولون : هذا محمد ، فيقول : أين هو ، أين هو ؟ لا يبصره وقد روي عن ابن عباس أنه كان يقرأ ذلك فأغشيناهم : " فاعشيناهم فهم لا يبصرون " بالعين بمعنى أعشيناهم عنه ، وذلك أن العشا هو أن يمشي بالليل ولا يبصر . القول في تأويل قوله تعالى :
وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ . . .
الرَّحْمنَ
. . . كَرِيمٍ
يقول تعالى ذكره : وسواء يا محمد على هؤلاء الذين حق عليهم القول ، أي الأمرين كان منك إليهم الإنذار ، أو ترك الإنذار ، فإنهم لا يؤمنون ، لأن الله قد حكم عليهم بذلك . وقوله :
إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ
يقول تعالى ذكره : إنما ينفع إنذارك يا محمد من آمن بالقرآن ، واتبع ما فيه من أحكام الله
وَخَشِيَ الرَّحْمنَ
يقول : وخاف الله حين يغيب عن أبصار الناظرين ، لا المنافق الذي يستخف بدين الله إذا خلا ، ويظهر الإيمان في الملأ ، ولا المشرك الذي قد طبع الله على قلبه . وقوله :
فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ
يقول : فبشر يا محمد هذا الذي اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب بمغفرة من الله لذنوبه
وَأَجْرٍ كَرِيمٍ
يقول : وثواب منه له في الآخرة كريم ، وذلك أن يعطيه على عمله ذلك الجنة . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ
واتباع الذكر : اتباع القرآن القول في تأويل قوله تعالى :
إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ
يقول تعالى ذكره :
إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى
من خلقنا
وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا
في الدنيا من خير وشر ، وصالح الأعمال وسيئها . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا
من عمل حدثني يونس ،
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 99 | محمد بن جرير الطبري