تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 98

مساهمون:

ص٩٨
قال : ثنا شعبة ، عن سماك ، عن عكرمة في هذه الآية :
لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ
قال : قد أنذروا وقال آخرون : بل معنى ذلك لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ
قال بعضهم : لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم من إنذار الناس قبلهم . وقال بعضهم : لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم : أي هذه الأمة لم يأتهم نذير ، حتى جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم واختلف أهل العربية في معنى " ما " التي في قوله :
ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ
إذا وجه معنى الكلام إلى أن آباءهم قد كانوا أنذروا ، ولم يرد بها الجحد ، فقال بعض نحويي البصرة : معنى ذلك : إذا أريد به غير الجحد لتنذرهم الذي أنذر آباؤهم
فَهُمْ غافِلُونَ
وقال : فدخول الفاء في هذا المعنى لا يجوز ، والله أعلم . قال : وهو على الجحد أحسن ، فيكون معنى الكلام : إنك لمن المرسلين إلى قوم لم ينذر آباؤهم ، لأنهم كانوا في الفترة . وقال بعض نحويي الكوفة : إذا لم يرد بما الجحد ، فإن معنى الكلام : لتنذرهم بما أنذر آباؤهم ، فتلقى الباء ، فتكون " ما " في موضع نصب
فَهُمْ غافِلُونَ
يقول : فهم غافلون عما الله فاعل : بأعدائه المشركين به ، من إحلال نقمته ، وسطوته بهم . وقوله :
لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
يقول تعالى ذكره : لقد وجب العقاب على أكثرهم ، لأن الله قد حتم عليهم في أم الكتاب أنهم لا يؤمنون بالله ، ولا يصدقون رسوله . القول في تأويل قوله تعالى :
إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ . . .
سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ
يقول تعالى ذكره : إنا جعلنا أيمان هؤلاء الكفار مغلولة إلى أعناقهم بالأغلال ، فلا تبسط بشيء من الخيرات ؛ وهي في قراءة عبد الله فيما ذكر : وإنا جعلنا في أيمانهم أغلالا فهي إلى الأذقان " . وقوله :
إِلَى الْأَذْقانِ
يعني : فأيمانهم مجموعة بالأغلال في أعناقهم ، فكني عن الأيمان ، ولم يجر لها ذكر لمعرفة السامعين بمعنى الكلام ، وأن الأغلال إذا كانت في الأعناق لم تكن إلا وأيدي المغلولين مجموعة بها إليها فاستغنى بذكر كون الأغلال في الأعناق من ذكر الأيمان ، كما قال الشاعر :
وما أدري إذا يممت وجها * أريد الخير أيهما يليني
أالخير الذي أنا أبتغيه * أم الشر الذي لا يأتليني
فكنى عن الشر ، وإنما ذكر الخير وحده لعلم سامع ذلك بمعني قائله ، إذ كان الشر مع الخير يذكر . والأذقان : جمع ذقن ، والذقن : مجمع اللحيين . وقوله :
فَهُمْ مُقْمَحُونَ
والمقمح : هو المقنع ، وهو أن يحدر الذقن حتى يصير في الصدر ، ثم يرفع رأسه في قول بعض أهل العلم بكلام العرب من أهل البصرة . وفي قول بعض الكوفيين : هو الغاض بصره ، بعد رفع رأسه . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله :
إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ
قال : هو كقول الله :
وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ
يعني بذلك أن أيديهم موثقة إلى أعناقهم ، لا يستطيعون أن يبسطوها بخير حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله :
فَهُمْ مُقْمَحُونَ
قال : رافعو رؤوسهم ، وأيديهم موضوعة على أفواههم حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ
أي فهم مغلولون عن كل خير وقوله :
وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا
يقول تعالى ذكره : وجعلنا من بين أيدي هؤلاء المشركين سدا ، وهو الحاجز بين الشيئين ؛ إذا فتح كان من فعل بني آدم ، وإذا كان من فعل الله كان بالضم . وبالضم