تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 95

مساهمون:

ص٩٥
أين جئت ؟ قال : من الشام ، قال : من لقيت ؟ قال : لقيت كعبا ، فقال : ما حدثك كعب ؟ قال : حدثني أن السماوات تدور على منكب ملك ، قال : فصدقته أو كذبته ؟ قال : ما صدقته ولا كذبته ، قال : لوددت أنك افتديت من رحلتك إليه براحلتك ورحلها ، وكذب كعب ؛ إن الله يقول :
إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ
حدثنا جرير ، عن مغيرة ، عن إبراهيم ، قال : ذهب جندب البجلي إلى كعب الأحبار ، فقدم عليه ثم رجع ، فقال له عبد الله : حدثنا ما حدثك ، فقال : حدثني أن السماء في قطب كقطب الرحا ، والقطب عمود على منكب ملك ، قال عبد الله : لوددت أنك افتديت رحلتك بمثل راحلتك ؛ ثم قال : ما تنتكت اليهودية في قلب عبد فكادت أن تفارقه ، ثم قال :
إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا
كفى بها زوالا أن تدور وقوله :
إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً
يقول تعالى ذكره : إن الله كان حليما عمن أشرك وكفر به من خلقه في تركه تعجيل عذابه له ، غفورا لذنوب من تاب منهم ، وأناب إلى الإيمان به ، والعمل بما يرضيه . القول في تأويل قوله تعالى :
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ . . .
السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ . . .
تَحْوِيلًا
يقول تعالى ذكره : وأقسم هؤلاء المشركون بالله جهد أيمانهم ؛ يقول : أشد الإيمان ، فبالغوا فيها ، لئن جاءهم من الله منذر ينذرهم بأس الله
لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ
يقول : ليكونن أسلك لطريق الحق ، وأشد قبولا لما يأتيهم به النذير من عند الله ، من إحدى الأمم التي خلت من قبلهم ؛
فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ
يعني بالنذير : محمدا صلى الله عليه وسلم ، يقول : فلما جاءهم محمد ينذرهم عقاب الله على كفرهم ، كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ
وهو محمد صلى الله عليه وسلم وقوله :
ما زادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً
يقول : ما زادهم مجيء النذير من الإيمان بالله واتباع الحق ، وسلوك هدى الطريق ، إلا نفورا وهربا . وقوله :
اسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ
يقول : نفروا استكبارا في الأرض ، وخدعة سيئة ، وذلك أنهم صدوا الضعفاء عن اتباعه مع كفرهم به . والمكر هاهنا : هو الشرك ، كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة :
وَمَكْرَ السَّيِّئِ
وهو الشرك وأضيف المكر إلى السيئ ، والسيئ من نعت المكر ، كما قيل :
إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ
وقيل : إن ذلك ومكر السيئ في قراءة عبد الله : " مكرا سيئا " ، وفي ذلك تحقيق القول الذي قلناه من أن السيئ في المعنى من نعت المكر . وقرأ ذلك قراء الأمصار غير الأعمش وحمزة بهمزة محركة بالخفض . وقرأ ذلك الأعمش وحمزة بهمزة وتسكين الهمزة اعتلالا منهما بأن الحركات لما كثرت في ذلك ثقل ، فسكنا الهمزة ، كما قال الشاعر :
إذا اعوججن قلت صاحب قوم
فسكن الباء ، لكثرة الحركات . والصواب من القراءة ما عليه قراء الأمصار من تحريك الهمزة فيه إلى الخفض ، وغير جائز في القرآن أن يقرأ بكل ما جاز في العربية ، لأن القراءة إنما هي ما قرأت به الأئمة الماضية ، وجاء به السلف على النحو الذي أخذوا عمن قبلهم . وقوله :
وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ
يقول : ولا ينزل المكر السيئ إلا بأهله ، يعني بالذين يمكرونه ؛ وإنما عنى أنه لا يحل مكروه ذلك المكر الذي مكره هؤلاء المشركون إلا بهم . وقال قتادة في ذلك ما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ
وهو الشرك وقوله :
فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ
يقول تعالى ذكره : فهل ينتظر هؤلاء المشركون من قومك يا محمد إلا سنة الله بهم في عاجل الدنيا على