. وقوله :
إِنَّ اللَّهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
يقول تعالى ذكره : إن الله عالم ما تخفون أيها الناس في أنفسكم وتضمرونه ، وما لم تضمروه ولم تنووه مما ستنوونه ، وما هو غائب عن أبصاركم في السماوات والأرض ، فاتقوه أن يطلع عليكم ، وأنتم تضمرون في أنفسكم من الشك في وحدانية الله ، أو في نبوة محمد ، غير الذي تبدونه بألسنتكم ،
إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ
القول في تأويل قوله تعالى :
هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ . . .
إِلَّا مَقْتاً
. . . خَساراً
يقول تعالى ذكره : الله الذي جعلكم أيها الناس خلائف في الأرض من بعد عاد وثمود ، ومن مضى من قبلكم من الأمم فجعلكم تخلفونهم في ديارهم ومساكنهم ، كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ
أمة بعد أمة ، وقرنا بعد قرن وقوله :
فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ
يقول تعالى ذكره : فمن كفر بالله منكم أيها الناس ، فعلى نفسه ضر كفره ، لا يضر بذلك غير نفسه ، لأنه المعاقب عليه دون غيره . وقوله :
وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتاً
يقول تعالى : ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا بعدا من رحمة الله
وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَساراً
يقول : ولا يزيد الكافرين كفرهم بالله إلا هلاكا . القول في تأويل قوله تعالى :
قُلْ أَ رَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ . . .
يَعِدُ الظَّالِمُونَ . . .
غُرُوراً
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم :
قُلْ
يا محمد لمشركي قومك
أَ رَأَيْتُمْ
أيها القوم
شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ
يقول : أروني أي شيء خلقوا من الأرض
أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ
يقول : أم لشركائكم شرك مع الله في السماوات ، إن لم يكونوا خلقوا من الأرض شيئا
أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً فَهُمْ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ
يقول : أم آتينا هؤلاء المشركين كتابا أنزلناه عليهم من السماء بأن يشركوا بالله الأوثان والأصنام ، فهم على بينة منه ، فهم على برهان مما أمرتهم فيه من الإشراك بي . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
قُلْ أَ رَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ
لا شيء والله خلقوا منها
أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ
لا والله ما لهم فيها شرك
أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً فَهُمْ عَلى بَيِّنَةٍ
منه ، يقول : أم آتيناهم كتابا فهو يأمرهم أن يشركوا وقوله :
بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً إِلَّا غُرُوراً
وذلك قول بعضهم لبعض :
ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى
خداعا من بعضهم لبعض وغرورا ، وإنما تزلفهم آلهتهم إلى النار ، وتقصيهم من الله ورحمته . القول في تأويل قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا
يقول تعالى ذكره :
إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
لئلا تزولا من أماكنهما
وَلَئِنْ زالَتا
يقول : ولو زالتا
إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ
يقول : ما أمسكهما أحد سواه . ووضعت " لئن " في قوله
وَلَئِنْ زالَتا
في موضع " لو " لأنهما يجابان بجواب واحد ، فيتشابهان في المعنى ؛ ونظير ذلك قوله :
وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ
بمعنى : ولو أرسلنا ريحا ، وكما قال :
وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ
بمعنى :
لو أتيت . وقد بينا ذلك فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا
من مكانهما حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن أبي وائل ، قال : جاء رجل إلى عبد الله ، فقال : من