تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 91

مساهمون:

ص٩١
تعالى ذكره : سبوق هذا السابق من سبقه بالخيرات بإذن الله ، هو الفضل الكبير الذي فضل به من كان مقصرا عن منزلته في طاعة الله من المقتصد والظالم لنفسه . القول في تأويل قوله تعالى :
جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ . . .
الْحَمْدُ لِلَّهِ
شَكُورٌ
يقول تعالى ذكره : بساتين إقامة يدخلونها هؤلاء الذين أورثناهم الكتاب ، الذين اصطفينا من عبادنا يوم القيامة
يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ
يلبسون في جنات عدن أسورة من ذهب
وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ
يقول : ولباسهم في الجنة حرير . وقوله :
وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ
اختلف أهل التأويل في الحزن الذي حمد الله على إذهابه عنهم هؤلاء القوم ، فقال بعضهم : ذلك الحزن الذي كانوا فيه قبل دخولهم الجنة من خوف النار ، إذ كانوا خائفين أن يدخلوها . ذكر من قال ذلك : حدثني قتادة بن سعيد بن قتادة السدوسي ، قال : ثنا معاذ بن هشام صاحب الدستوائي ، قال : ثنا أبي ، عن عمرو بن مالك ، عن أبي الجوزاء ، عن ابن عباس ، في قوله :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ
قال : حزن النار حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا ابن المبارك ، عن معمر ، عن يحيى بن المختار ، عن الحسن
وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً
قال : إن المؤمنين قوم ذلل ، ذلت والله الأسماع والأبصار والجوارح ، حتى يحسبهم الجاهل مرضى ، وما بالقوم مرض ، وإنهم لأصحة القلوب ، ولكن دخلهم من الخوف ما لم يدخل غيرهم ، ومنعهم من الدنيا علمهم بالآخرة ، فقالوا :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ
، والحزن ، والله ما حزنهم حزن الدنيا ، ولا تعاظم في أنفسهم ما طلبوا به الجنة أبكاهم الخوف من النار ، وأنه من لا يتعز بعزاء الله يقطع نفسه على الدنيا حسرات ، ومن لم ير لله عليه نعمة إلا في مطعم أو مشرب ، فقد قل علمه ، وحضر عذابه وقال آخرون : عني به الموت . ذكر من قال ذلك : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا ابن إدريس ، عن أبيه أب جد سعد ، عن عطية ، في قوله :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ
قال : الموت وقال آخرون : عني به حزن الخبز . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يعقوب ، عن حفص ، يعني ابن حميد ، عن شمر ، قال : لما أدخل الله أهل الجنة الجنة ، قالوا
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ
قال : حزن الخبز وقال آخرون : عني بذلك : الحزن من التعب الذي كانوا فيه في الدنيا . ذكر من قال ذلك . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ
قال : كانوا في الدنيا يعملون وينصبون وهم في خوف ، أو يحزنون وقال آخرون : بل عني بذلك الحزن الذي ينال الظالم لنفسه في موقف القيامة . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا سفيان ، عن الأعمش ، قال : ذكر أبو ثابت أن أبا الدرداء ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " أما الظالم لنفسه ، فيصيبه في ذلك المكان من الغم والحزن ، فذلك قوله :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال : إن الله تعالى ذكره اخبر عن هؤلاء القوم الذين أكرمهم بما أكرمهم به أنهم قالوا حين دخلوا الجنة
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ
وخوف دخول النار من الحزن ، والجزع من الموت من الحزن ، والجزع من الحاجة إلى المطعم من الحزن ، ولم يخصص الله إذ أخبر عنهم أنهم حمدوه على إذهابه الحزن عنهم نوعا دون نوع ، بل أخبر عنهم أنهم عموا جميع أنواع الحزن بقولهم ذلك ، وكذلك ذلك ، لأن من دخل الجنة فلا حزن عليه بعد ذلك ، فحمدهم على إذهابه عنهم جميع معاني الحزن . وقوله :
إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ
يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل هذه الأصناف الذين أخبر أنه اصطفاهم من عباده عند دخولهم الجنة : إن ربنا لغفور لذنوب عباده الذين تابوا من ذنوبهم ، فساترها عليهم بعفوه لهم عنها ، شكور لهم على طاعتهم