تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 90

مساهمون:

ص٩٠
بكل كتاب أنزله الله من السماء قبل كتابهم وعاملون به ، لأن كل كتاب أنزل من السماء قبل الفرقان ، فإنه يأمر بالعمل بالفرقان عند نزوله ، وباتباع من جاء به ، وذلك عمل من أقر بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وبما جاء به ، وعمل بما دعاه إليه بما في القرآن ، وبما في غيره من الكتب التي أنزلت قبله . وإنما قيل : عنى بقوله
ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ
الكتب التي ذكرنا لأن الله جل ثناؤه قال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم
وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ
ثم أتبع ذلك قوله
ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا
فكان معلوما ، إذ كان معنى الميراث إنما هو انتقال معنى من قوم إلى آخرين ، ولم تكن أمة على عهد نبينا صلى الله عليه وسلم انتقل إليهم كتاب من قوم كانوا قبلهم غير أمته ، أن ذلك معناه . وإذ كان ذلك كذلك ، فبين أن المصطفين من عباده هم مؤمنو أمته ؛ وأما الظالم لنفسه ، فإنه لأن يكون من أهل الذنوب والمعاصي التي هي دون النفاق والشرك عندي أشبه بمعنى الآية من أن يكون المنافق أو الكافر ، وذلك أن الله تعالى ذكره أتبع هذه الآية قوله :
جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها
فعم بدخول الجنة جميع الأصناف الثلاثة . فإن قال قائل : فإن قوله
يَدْخُلُونَها
إنما عنى به المقتصد والسابق ؛ قيل له : وما برهانك على أن ذلك كذلك من خبر أو عقل ؟ فإن قال : قيام الحجة أن الظالم من هذه الأمة سيدخل النار ، ولو لم يدخل النار من هذه الأصناف الثلاثة أحد وجب أن لا يكون لأهل الإيمان وعيد ؛ قيل : إنه ليسدد في الآية خبر أنهم لا يدخلون النار ، وإنما فيها إخبار من الله تعالى ذكره أنهم يدخلون جنات عدن ، وجائز أن يدخلها الظالم لنفسه بعد عقوبة الله إياه على ذنوبه التي أصابها في الدنيا ، وظلمه نفسه فيها بالنار ، أو بما شاء من عقابه ، ثم يدخله الجنة ، فيكون ممن عمه خبر الله جل ثناؤه بقوله
جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها
وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو الذي قلنا في ذلك أخبار ، وإن كان في أسانيدها نظر ، مع دليل الكتاب على صحته على النحو الذي بينت . ذكر الرواية الواردة بذلك : حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثتا أبو أحمد الزبيري ، قال : ثنا سفيان عن الأعمش ، قال : ذكر أبو ثابت أنه دخل المسجد ، فجلس إلى جنب أبي الدرداء ، فقال : اللهم آنس وحشتي ، وأرحم غربتي ، ويسر لي جليسا صالحا ، فقال أبو الدرداء : لئن كنت صادقا لأنا أسعد به منك سأحدثك حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم أحدث به منذ سمعته ذكر هذه الآية :
ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ
فأما السابق بالخيرات ، فيدخلها بغير حساب ، وأما المقتصد فيحاسب حسابا يسيرا ، وأما الظالم لنفسه فيصيبه في ذلك المكان من الغم والحزن ، فذلك قوله :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ
حدثنا ابن المثنى ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة عن الوليد بن المغيرة ، أنه سمع رجلا من ثقيف حدث عن رجل من كنانة ، عن أبي سعيد الخدري ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في هذه الآية :
ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ
قال : وهؤلاء كلهم بمنزلة واحدة ، وكلهم في الجنة " وعنى بقوله :
الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا
الذين اخترناهم لطاعتنا واجتبيناهم . وقوله :
فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ
يقول : فمن هؤلاء الذين اصطفينا من عبادنا ، من يظلم نفسه بركوبه المآثم ، واجترامه المعاصي ، واقترافه الفواحش
وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ
وهو غير المبالغ في طاعة ربه ، وغير المجتهد فيما ألزمه من خدمة ربه ، حتى يكون عمله في ذلك قصدا
وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ
وهو المبرز الذي قد تقدم المجتهدين في خدمة ربه ، وأداء ما لزمه من فرائضه ، فسبقهم بصالح الأعمال ، وهي الخيرات التي قال الله جل ثناؤه
بِإِذْنِ اللَّهِ
يقول : بتوفيق الله إياه لذلك . وقوله :
ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ
يقول