ما أنت إلا نذير تنذر هؤلاء المشركين بالله ، الذين طبع الله على قلوبهم ، ولم يرسلك ربك إليهم إلا لتبلغهم رسالته ، ولم يكلفك من الأمر ما لا سبيل لك إليه ؛ فأما اهتداؤهم وقبولهم منك ما جئتهم به ، فإن ذلك بيد الله لا بيدك ، ولا بيد غيرك من الناس ، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن هم لم يستجيبوا لك . القول في تأويل قوله تعالى :
إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً . . .
إِلَّا خَلا
. . . بِالْكِتابِ الْمُنِيرِ
. . . نَكِيرِ
يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم :
إِنَّا أَرْسَلْناكَ
يا محمد
بِالْحَقِّ
وهو الإيمان بالله وشرائع الدين التي افترضها على عباده
بَشِيراً
يقول :
مبشرا بالجنة من صدقك وقبل منك ما جئت به من عند الله من النصيحة
وَنَذِيراً
تنذر الناس من كذبك ورد عليك ما جئت به من عند الله من النصيحة .
وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ
يقول : وما من أمة من الأمم الدائنة بملة إلا خلا فيها من قبلك نذير ينذرهم بأسنا على كفرهم بالله ، كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ
كل أمة كان لها رسول وقوله :
وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
يقول تعالى ذكره مسليا نبيه صلى الله عليه وسلم فيما يلقى من مشركي قومه من التكذيب : وإن يكذبك يا محمد مشركو قومك ، فقد كذب الذين من قبلهم من الأمم الذين جاءتهم رسلهم بالبينات ؛ يقول : بحجج من الله واضحة .
وَبِالزُّبُرِ
يقول : وجاءتهم بالكتب من عند الله ، كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
بِالْبَيِّناتِ وَبِالزُّبُرِ
أي الكتب وقوله :
بِالْكِتابِ الْمُنِيرِ
يقول : وجاءهم من الله الكتاب المنير لمن تأمله وتدبره أنه الحق ، كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
وَبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ
يضعف الشيء وهو واحد وقوله :
ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ
يقول تعالى ذكره :
ثم أهلكنا الذين جحدوا رسالة رسلنا ، وحقيقة ما دعوهم إليه من آياتنا ، وأصروا على جحودهم
فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ
يقول : فانظر يا محمد كيف كان تغييري بهم ، وحلول عقوبتي بهم . القول في تأويل قوله تعالى :
أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها . . .
كَذلِكَ إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ . . .
غَفُورٌ
يقول تعالى ذكره : ألم تر يا محمد أن الله أنزل من السماء غيثا ، فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ؛ يقول : فسقيناه أشجارا في الأرض ، فأخرجنا به من تلك الأشجار ثمرات مختلفا ألوانها ، منها الأحمر ، ومنها الأسود والأصفر ، وغير ذلك من ألوانها
وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ
يقول تعالى ذكره : ومن الجبال طرائق ، وهي الجدد ، وهي الخطط تكون في الجبال بيض وحمر وسود ، كالطرق ؛ واحدتها جدة ؛ ومنه قول امرئ القيس في صفة حمار :
كأن سراته وجدة متنه * كنائن يجري فوقهن دليص
يعني بالجدة : الخطة السوداء تكون في متن الحمار . وقوله :
مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها
يعني : مختلف ألوان الجدد
وَغَرابِيبُ سُودٌ
، وذلك من المقدم الذي هو بمعنى التأخير ؛ وذلك أن العرب تقول : هو أسود غربيب ، إذا وصفوه بشدة السواد ، وجعل السواد هاهنا صفة للغرابيب . وقوله :
وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ
كما من الثمرات والجبال مختلف ألوانه بالحمرة والبياض والسواد والصفرة ، وغير ذلك . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال :
ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، في قوله :
أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها
أحمر وأخضر وأصفر .
وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ
أي طرائق بيض