تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 85

مساهمون:

ص٨٥
وَلَا الْحَرُورُ
قيل : النار ، كأن معناه عندهم : وما تستوي الجنة والنار ؛ والحرور بمنزلة السموم ، وهي الرياح الحارة . وذكر أبو عبيدة معمر بن المثنى ، عن رواية بن العجاج ، أنه كان يقول : الحرور بالليل ، والسموم بالنهار . وأما أبو عبيدة فإنه قال : الحرور في هذا الموضع والنهار مع الشمس . وأما الفراء فإنه كان يقول : الحرور يكون بالليل والنهار ، والسموم لا يكون بالليل إنما يكون بالنهار . والقول في ذلك عندي ، أن الحرور يكون بالليل والنهار ، غير أنه في هذا الموضع بأن يكون كما قال أبو عبيدة : أشبه مع الشمس ، لأن الظل إنما يكون في يوم شمس ، فذلك يدل على أنه أريد بالحرور : الذي يوجد في حال وجود الظل . وقوله :
وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ
يقول : وما يستوي الأحياء القلوب بالإيمان بالله ورسوله ، ومعرفة تنزيل الله ، والأموات القلوب لغلبة الكفر عليها ، حتى صارت لا تعقل عن الله أمره ونهيه ، ولا تعرف الهدى من الضلال ؛ وكل هذه أمثال ضربها الله للمؤمن والإيمان ، والكافر والكفر . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله :
وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ
الآية ، قال : هو مثل ضربه الله لأهل الطاعة وأهل المعصية . يقول : وما يستوي الأعمى والظلمات والحرور ، ولا الأموات ، فهو مثل أهل المعصية . ولا يستوي البصير ولا النور ، ولا الظل والأحياء ، فهو مثل أهل الطاعة حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى
الآية خلقا ، فضل بعضه على بعض ؛ فأما المؤمن فعبد حي الأثر ، حي البصر ، حي النية ، حي العمل . و " أما الكافر فعبد ميت ، ميت البصر ، ميت القلب ، ميت العمل حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَلَا الظُّلُماتُ وَلَا النُّورُ وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ
قال : هذا مثل ضربه الله ؛ فالمؤمن بصير في دين الله ، والكافر أعمى ، كما لا يستوي الظل ولا الحرور ، ولا الأحياء ولا الأموات ، فكذلك لا يستوي هذا المؤمن الذي يبصر دينه ، ولا هذا الأعمى ، وقرأ :
أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ
قال : الهدى الذي هداه الله به ونور له . هذا مثل ضربه الله لهذا المؤمن الذي يبصر دينه ، وهذا الكافر الأعمى ، فجعل المؤمن حيا ، وجعل الكافر ميتا ، ميت القلب
أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ
قال : هديناه إلى الإسلام كمن مثله في الظلمات أعمى القلب ، وهو في الظلمات ، أهذا وهذا سواء واختلف أهل العربية في وجه دخول " لا " مع حرف العطف في قوله :
وَلَا الظُّلُماتُ وَلَا النُّورُ وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ
فقال بعض نحويي البصرة : قال : ولا الظل ولا الحرور ، فيشبه أن تكون " لا " زائدة ، لأنك لو قلت : لا يستوي عمرو ولا زيد في هذا المعنى لم يجز إلا أن تكون " لا " زائدة ؛ وكان غيره يقول : إذا لم تدخل " لا " مع الواو ، فإنما لم تدخل اكتفاء بدخولها في أول الكلام ، فإذا أدخلت فإنه يراد بالكلام أن كل واحد منهما لا يساوي صاحبه ، فكان معنى الكلام إذا أعيدت " لا " مع الواو عند صاحب هذا القول : لا يساوي الأعمى البصير ولا يساوي البصير الأعمى ، فكل واحد منهما لا يساوي صاحبه . وقوله :
إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ
يقول تعالى ذكره : كما لا يقدر أن يسمع من في القبور كتاب الله ، فيهديهم به إلى سبيل الرشاد ، فكذلك لا يقدر أن ينفع بمواعظ الله ، وبيان حججه ، من كان ميت القلب من أحياء عباده ، عن معرفة الله ، وفهم كتابه وتنزيله ، وواضح حججه ، كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ
كذلك الكافر لا يسمع ، ولا ينتفع بما يسمع وقوله :
إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم :
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 85 | محمد بن جرير الطبري