تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 65

مساهمون:

ص٦٥
ذكر من قال ذلك : حدثني إسحاق بن إبراهيم الشهيدي ، قال : ثنا عتاب بن بشير ، عن خصيف عن عكرمة وزياد ، في قوله :
وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ
قال : إنا لعلى هدى ؛ وإنكم لفي ضلال مبين . واختلف أهل العربية في وجه دخول " أو " في هذا الموضع ، فقال بعض نحويي البصرة : ليس ذلك لأنه شك ، ولكن هذا في كلام العرب على أنه هو المهتدي ، قال : وقد يقول الرجل لعبده : أحدنا ضارب صاحبه ، ولا يكون فيه إشكال على السامع أن المولى هو الضارب . وقال آخر منهم : معنى ذلك : إنا لعلى هدى ، وإنكم إياكم في ضلال مبين ، لأن العرب تضع " أو " في موضع واو الموالاة ، قال جرير :
أثعلبة الفوارس أو رياحا * عدلت بهم طهية والخشابا
قال : يعني ثعلبة ورياحا ، قال : وقد تكلم بهذا من لا يشك في دينه ، وقد علموا أنهم على هدى ، وأولئك في ضلال ، فيقال : هذا وإن كان كلاما واحدا على جهة الاستهزاء ، فقال : هذا لهم ، وقال :
فإن يكن حبهم رشدا أصبه * ولست بمخطئ إن كان غيا
وقال بعض نحويي الكوفة : معنى " أو " ومعنى الواو في هذا الموضع في المعنى ، غير أن القرينة على غير ذلك لا تكون " أو " بمنزلة الواو ، ولكنها تكون في الأمر المفوض ، كما تقول : إن شئت فخذ درهما أو اثنين ، فله أن يأخذ اثنين أو واحدا ، وليس له أن يأخذ ثلاثة . قال : وهو في قول من لا يبصر العربية ، ويجعل " أو " بمنزلة الواو ، ويجوز له أن يأخذ ثلاثة ، لأنه في قولهم بمنزلة قولك : خذ درهما أو اثنين ؛ قال : والمعنى في
إِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ
إنا لضالون أو مهتدون ، وإنكم أيضا لضالون ، وهو يعلم إن رسوله المهتدي ، وأن غيره الضال . قال : وأنت تقول في الكلام للرجل يكذبك : والله إن أحدنا لكاذب ، وأنت تعنيه ، وكذبته تكذيبا غير مكشوف ، وهو في القرآن وكلام العرب كثير ، أن يوجه الكلام إلى أحسن مذاهبه ، إذا عرف ، كقول القائل لمن قال : والله لقد قدم فلان ، وهو كاذب ، فيقول : قل : إن شاء الله ، أو قل : فيما أظن ، فيكذبه بأحسن تصريح التكذيب . قال : ومن كلام العرب أن يقولوا : قاتله الله ، ثم يستقبح فيقولون : قاتله الله ، وكاتعه الله . قال : ومن ذلك : ويحك ، وويسك ، إنما هي في معنى : ويلك ، إلا أنها دونها . والصواب من القول في ذلك عندي أن ذلك أمر من الله لنبيه بتكذيب من أمره بخطابه بهذا القول بأجمل التكذيب ، كما يقول الرجل لصاحب له يخاطبه ، وهو يريد تكذيبه في خبر له : أحدنا كاذب ، وقائل ذلك يعني صاحبه ، لا نفسه ؛ فلهذا المعنى صير الكلام بأو . القول في تأويل قوله تعالى :
قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ . . .
وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل لهؤلاء المشركين : أحد فريقينا على هدى والآخر على ضلال ، لا تسألون أنتم عما أجرمنا نحن من جرم ، وركبنا من إثم ، ولا نسأل نحن عما تعملون أنتم من عمل ، قل لهم : يجمع بيننا ربنا يوم القيامة عنده ، ثم يفتح بيننا بالحق . يقول : ثم يقضي بيننا بالعدل ، فيتبين عند ذلك المهتدي منا من الضال
وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ
يقول : والله القاضي العليم بالقضاء بين خلقه ، لأنه لا تخفى عنه خافيه ، ولا يحتاج إلى شهود تعرفه المحق من المبطل . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا
يوم القيامة
ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا
أي يقضي بيننا . حدثني علي ، قال : ثنا
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 65 | محمد بن جرير الطبري