سمع لهم صوت شديد ، فيحسب الذين هم أسفل منهم من الملائكة أنه من أمر الساعة ، فيخروا سجدا ، وهكذا كلما مروا عليهم يفعلون ذلك من خوف ربهم . وقال آخرون : بل الموصوفون بذلك المشركون ، قالوا : وإنما يفزع الشيطان عن قلوبهم ؛ قال : وإنما يقولون : ماذا قال ربكم عند نزول المنية بهم . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ
قال : فزع الشيطان عن قلوبهم وفارقهم وأمانيهم ، وما كان يضلهم
قالُوا ما ذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ
قال : وهذا في بني آدم ، وهذا عند الموت أقروا به حين لم ينفعهم الإقرار . وأولى الأقوال في ذلك بالصواب ، القول الذي ذكره الشعبي ، عن ابن مسعود لصحة الخبر الذي ذكرناه عن ابن عباس ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتأييده .
وإذ كان ذلك كذلك ، فمعنى الكلام : لا تنفع الشفاعة عنده ، إلا لمن أذن له أن يشفع عنده ، فإذا أذن الله لمن أذن له أن يشفع فزع لسماعه إذنه ، حتى إذا فزع عن قلوبهم ، فجلي عنها ، وكشف الفزع عنهم ، قالوا : ماذا قال ربكم ؟ قالت الملائكة : الحق ،
وَهُوَ الْعَلِيُّ
على كل شيء
الْكَبِيرُ
الذي لا شيء دونه .
والعرب تستعمل فزع في معنيين ، فتقول للشجاع الذي به تنزل الأمور التي يفزع منها : وهو مفزع ؛ وتقول للجبان الذي يفزع من كل شيء : إنه لمفزع ، وكذلك تقول للرجل الذي يقضي له الناس في الأمور بالغلبة على من نازله فيها : هو مغلب ؛ وإذا أريد به هذا المعنى كان غالبا ؛ وتقول للرجل أيضا الذي هو مغلوب أبدا : مغلب . وقد اختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء الأمصار أجمعون :
فُزِّعَ
بالزاي والعين على التأويل الذي ذكرناه عن ابن مسعود ومن قال بقوله في ذلك .
وروي عن الحسن أنه قرأ ذلك : " حتى إذا فرغ عن قلوبهم " بالراء والغين على التأويل الذي ذكرناه عن ابن زيد . وقد يحتمل توجيه معنى قراءة الحسن ذلك كذلك ، إلى " حتى إذا فزع عن قلوبهم " فصارت فارغة من الفزع الذي كان حل بها . ذكر عن مجاهد أنه قرأ ذلك : " فزع " بمعنى : كشف الله الفزع عنها . والصواب من القراءة في ذلك القراءة بالزاي والعين لإجماع الحجة من القراء وأهل التأويل عليها ، ولصحة الخبر الذي ذكرناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتأييدها ، والدلالة على صحتها . القول في تأويل قوله تعالى :
قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل يا محمد لهؤلاء المشركين بربهم الأوثان والأصنام : من يرزقكم من السماوات والأرض بإنزاله الغيث عليكم منها حياة لحروثكم ، وصلاحا لمعايشكم ، وتسخيره الشمس والقمر والنجوم لمنافعكم ، ومنافع أقواتكم ، والأرض بإخراجه منها أقواتكم وأقوات أنعامكم ؟ وترك الخبر عن جواب القوم استغناء بدلالة الكلام عليه ، ثم ذكره ، وهو : فإن قالوا : لا ندري ، فقل : الذي يرزقكم ذلك الله ،
وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ
أيها القوم
لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ
يقول : قل لهم : إنا لعلى هدى أو في ضلال ، أو إنكم على ضلال أو هدى . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ
قال : قد قال ذلك أصحاب محمد للمشركين ، والله ما أنا وأنتم على أمر واحد ، إن أحد الفريقين لمهتد . وقد قال قوم : معنى ذلك : وإنا لعلى هدى ، وإنكم لفي ضلال مبين .