تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 91

مساهمون:

ص٩١
وقوله :
وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ
يقول تعالى ذكره : وإن يأت المؤمنين الأحزاب وهم الجماعة : واحدهم حزب
يَوَدُّوا
يقول : يتمنوا من الخوف والجبن أنهم غيب عنكم في البادية مع الأعراب خوفا من القتل . وذلك أن قوله :
لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ
تقول : قد بدا فلان إذا صار في البدو فهو يبدو ، وهو باد ؛ وأما الأعراب : فإنهم جمع أعرابي ، وواحد العرب عربي ، وإنما قيل أعرابي لأهل البدو ، فرقا بين أهل البوادي والأمصار ، فجعل الأعراب لأهل البادية ، والعرب لأهل المصر . وقوله :
يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ
يقول : يستخبر هؤلاء المنافقون أيها المؤمنون الناس عن أنبائكم ، يعني عن أخباركم بالبادية ، هل هلك محمد وأصحابه ؟ نقول : يتمنون أن يسمعوا أخباركم بهلاككم ، أن لا يشهدوا معكم مشاهدكم .
وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ ما قاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا
يقول تعالى ذكره للمؤمنين : ولو كانوا أيضا فيكم ما نفعوكم ، وما قاتلوا المشركين إلا قليلا . يقول : إلا تعذيرا ، لأنهم لا يقاتلونهم حسبة ولا رجاء ثواب . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله
يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ
قال : أخباركم . وقرأت قراء الأمصار جميعا سوى عاصم الجحدري :
يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ
بمعنى : يسألون من قدم عليهم من الناس عن أنباء عسكركم وأخباركم ، وذكر عن عاصم الجحدري أنه كان يقرأ ذلك : " يساءلون " بتشديد السين ، بمعنى : يتساءلون : أي يسأل بعضهم بعضا عن ذلك . والصواب من القول في ذلك عندنا ما عليه قراء الأمصار ، لإجماع الحجة من القراء عليه . القول في تأويل قوله تعالى :
لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً . . .
ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ
اختلفت القراء في قراءة قوله :
أُسْوَةٌ
فقرأ ذلك عامة قراء الأمصار : " إسوة " بكسر الألف ، خلا عاصم بن أبي النجود ، فإنه قرأه بالضم :
أُسْوَةٌ
. وكان يحيى بن وثاب يقرأ هذه بالكسر ، ويقرأ قوله
لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ
بالضم ، وهما لغتان . وذكر أن الكسر في أهل الحجاز ، والضم في قيس . يقولون : أسوة ، وأخوة . وهذا عتاب من الله للمتخلفين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعسكره بالمدينة ، من المؤمنين به . يقول لهم جل ثناؤه : لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ، أن تتأسوا به ، وتكونوا معه حيث كان ، ولا تتخلفوا عنه .
لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ
يقول : فإن من يرجو ثواب الله ورحمته في الآخرة لا يرغب بنفسه ، ولكنه تكون له به أسوة في أن يكون معه حيث يكون هو . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : ثني يزيد بن رومان ، قال : ثم أقبل على المؤمنين ، فقال
لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ
أن لا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ، ولا عن مكان هو به .
وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً
يقول : وأكثر ذكر الله في الخوف والشدة والرخاء . وقوله :
وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ
يقول : ولما عاين المؤمنون بالله ورسوله جماعات الكفار قالوا تسليما منهم لأمر الله ، وإيقانا منهم بأن ذلك إنجاز وعده لهم ، الذي وعدهم بقوله
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ
إلى قوله
قَرِيبٌ
هذا ما وعدنا الله ورسوله ، وصدق الله ورسوله ، فأحسن الله عليهم بذلك من يقينهم ، وتسليمهم لأمره الثناء ، فقال : وما زادهم اجتماع الأحزاب عليهم إلا إيمانا بالله وتسليما لقضائه وأمره ، ورزقهم به النصر والظفر على الأعداء . وبالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله :
وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ
الآية قال : ذلك أن الله