تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 89

مساهمون:

ص٨٩
يقول تعالى ذكره : قد يعلم الله الذين يعوقون الناس منكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيصدونهم عنه ، وعن شهود الحرب معه ، نفاقا منهم ، وتخذيلا عن الإسلام وأهله
وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا
أي تعالوا إلينا ، ودعوا محمدا ، فلا تشهدوا معه مشهده ، فإنا نخاف عليكم الهلاك بهلاكه .
وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا
يقول : ولا يشهدون الحرب والقتال إن شهدوا إلا تعذيرا ، ودفعا عن أنفسهم المؤمنين . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله
قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ
قال : هؤلاء ناس من المنافقين كانوا يقولون لإخوانهم : ما محمد وأصحابه إلا أكلة رأس ، ولو كانوا لحمالالتهمهم أبو سفيان وأصحابه ، دعوا هذا الرجل فإنه ها لك . وقوله :
وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا
أي لا يشهدون القتال ، يغيبون عنه . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : ثنا يزيد بن رومان
قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ
أي أهل النفاق
وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا
أي إلا دفعا وتعذيرا . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله
قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ ، وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ
إلى آخر الآية ، قال : هذا يوم الأحزاب ، انصرف رجل من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فوجد أخاه بين يديه شواء ورغيف ونبيذ ، فقال له : أنت هاهنا في الشواء والرغيف والنبيذ ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين الرماح والسيوف ؟ فقال : هلم إلى هذا ، فقد بلغ بك وبصاحبك ، والذي يحلف به لا يستقبلها محمد أبدا ، فقال : كذبت والذي يحلف به ؛ قال ، وكان أخاه من أبيه وأمه : أما والله لأخبرن النبي صلى الله عليه وسلم أمرك ؛ قال : وذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخبره ؛ قال : فوجده قد نزل جبرائيل عليه السلام بخبره
قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا
. وقوله
أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ
اختلف أهل التأويل في المعنى الذي وصف الله به هؤلاء المنافقين ، في هذا الموضع من الشح ، فقال بعضهم : وصفهم بالشح عليهم في الغنيمة . ذكر من قال ذلك : حدثني بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ
في الغنيمة . وقال آخرون : بل وصفهم بالشح عليهم بالخير . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثني عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد
أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ
قال : بالخير ، المنافقون . وقال غيره : معناه : أشحة عليكم بالنفقة على ضعفاء المؤمنين منكم . والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال : إن الله وصف هؤلاء المنافقين بالجبن والشح ، ولم يخصص وصفهم من معاني الشح ، بمعنى دون معنى ، فهم كما وصفهم الله به أشحة على المؤمنين بالغنيمة والخير والنفقة في سبيل الله ، على أهل مسكنة المسلمين . ونصب قوله
أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ
على الحال من ذكر الاسم الذي في قوله
وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ
، كأنه قيل : هم جبناء عند البأس ، أشحاء عند قسم الغنيمة ، بالغنيمة . وقد يحتمل أن يكون قطعا من قوله :
قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ
فيكون تأويله : قد يعلم الله الذين يعوقون الناس على القتال ، ويشحون عند الفتح بالغنيمة . ويجوز أن يكون أيضا قطعا من قوله :
هَلُمَّ إِلَيْنا
أشحة ، وهم هكذا أشحة . ووصفهم جل ثناؤه بما وصفهم من الشح على المؤمنين ، لما في أنفسهم لهم من العداوة والضغن . كما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : ثني يزيد بن رومان
أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ
أي للضغن الذي في أنفسهم . وقوله :
فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ
إلى قوله
مِنَ الْمَوْتِ
يقول تعالى ذكره : فإذا حضر البأس ، وجاء القتال ، خافوا الهلاك والقتل ، رأيتهم يا محمد ينظرون إليك لواذا بك ، تدور أعينهم ، خوفا من القتل ، وفرارا منه .
كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ
يقول : كدوران عين الذي يغشى عليه من الموت النازل به
فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ
يقول : فإذا انقطعت الحرب واطمأنوا
سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ
.