تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 90

مساهمون:

ص٩٠
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ
من الخوف . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : ثني يزيد بن رومان
فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ
أي إعظاما وفرقا منه . وأما قوله
سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ
فإنه يقول : عضوكم بألسنة ذربة . ويقال للرجل الخطيب الذرب اللسان : خطيب مسلق ومصلق ، وخطيب سلاق وصلاق . وقد اختلف أهل التأويل في المعنى الذي وصف تعالى ذكره هؤلاء المنافقين أنهم يسلقون المؤمنين به ، فقال بعضهم : ذلك سلقهم إياهم عند الغنيمة ، بمسألتهم القسم لهم . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ
أما عند الغنيمة ، فأشح قوم ، وأسوأ مقاسمة : أعطونا أعطونا ، فإنا قد شهدنا معكم . وأما عند البأس فأجبن قوم ، وأخذله للحق . وقال آخرون : بل ذلك سلقهم إياهم بالأذى . ذكر ذلك عن ابن عباس : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله
سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ
قال : استقبلوكم . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد
سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ
قال : كلموكم . وقال آخرون : بل معنى ذلك : أنهم يسلقونهم من القول بما تحبون ، نفاقا منهم . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : ثني يزيد بن رومان
فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ
في القول بما تحبون ، لأنهم لا يرجون آخرة ، ولا تحملهم حسبة ، فهم يهابون الموت هيبة من لا يرجو ما بعده . وأشبه هذه الأقوال بما دل عليه ظاهر التنزيل قول من قال
سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ
فأخبر أن سلقهم المسلمين شحا منهم على الغنيمة والخير ، فمعلوم إذ كان ذلك كذلك ، أن ذلك لطلب الغنيمة . وإذا كان ذلك منهم لطلب الغنيمة ، دخل في ذلك قول من قال : معنى ذلك : سلقوكم بالأذى ، لأن فعلهم ذلك كذلك ، لا شك أنه للمؤمنين أذى . وقوله :
أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ
يقول : أشحة على الغنيمة ، إذا ظفر المؤمنون . وقوله :
لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ
يقول تعالى ذكره : هؤلاء الذين وصفت لك صفتهم في هذه الآيات ، لم يصدقوا الله ورسوله ، ولكنهم أهل كفر ونفاق .
فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ
يقول : فأذهب الله أجور أعمالهم وأبطلها . وذكر أن الذي وصف بهذه الصفة كان بدريا ، فأحبط الله عمله . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله
فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً
قال : فحدثني أبي أنه كان بدريا ، وأن قوله :
فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ
أحبط الله عمله يوم بدر . وقوله :
وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً
يقول تعالى ذكره : وكان إحباط عملهم الذي كانوا عملوا قبل ارتدادهم ونفاقهم على الله يسيرا . القول في تأويل قوله تعالى :
يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا . . .
فِيكُمْ ما قاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا
يقول تعالى ذكره : يحسب هؤلاء المنافقون الأحزاب ، وهم قريش وغطفان . كما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : ثني يزيد بن رومان
يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا
قريش وغطفان . وقوله :
لَمْ يَذْهَبُوا
يقول : لم ينصرفوا ، وإن كانوا قد انصرفوا جبنا وهلعا منهم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله :
يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا
قال : يحسبونهم قريبا . وذكر أن ذلك في قراءة عبد الله : " يحسبون الأحزاب قد ذهبوا ، فإذا وجدوهم لم يذهبوا ودوا لو أنهم بأدون في الأعراب " .
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 90 | محمد بن جرير الطبري