في تأويل قوله تعالى :
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ . . .
لِبَنِي إِسْرائِيلَ
يقول تعالى ذكره : ولقد آتينا موسى التوراة ، كما آتيناك الفرقان يا محمد
فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ
يقول : فلا تكن في شك من لقائه ؛ فكان قتادة يقول : معنى ذلك : فلا تكن في شك من أنك لقيته ، أو تلقاه ليلة أسري بك ، وبذلك جاء الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة عن أبي العالية الرياحي ، قال : حدثنا ابن عم نبيكم ، يعني ابن عباس ، قال : قال نبي الله صلى الله عليه وسلم :
" أريت ليلة أسري بي موسى بن عمران رجلا آدم طوالا جعدا ، كأنه من رجال شنوءة ، ورأيت عيسى رجلا مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض ، سبط الرأس ورأيت مالكا خازن النار ، والدجال " في آيات أراهن الله إياه ، فلا تكن في مرية من لقائه أنه قد رأى موسى ، ولقى موسى ليلة أسري به . وقوله :
وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ
يقول تعالى ذكره : وحملنا موسى هدى لبني إسرائيل ، يعنى : رشادا لهم يرشدون بأتباعه ، ويصيبون الحق بالاقتداء به ، والائتمام بقوله . وبالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ
قال : جعل الله موسى هدى لبني إسرائيل . وقوله :
وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً
يقول تعالى ذكره :
وجعلنا من بني إسرائيل أئمة ، وهي جمع إمام ، والإمام الذي يؤتم به في خير أو شر ، وأريد بذلك في هذا الموضع أنه جعل منهم قادة في الخير ، يؤتم بهم ، ويهتدى بهديهم . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا
قال : رؤساء في الخير . وقوله
يَهْدُونَ بِأَمْرِنا
يقول تعالى ذكره : يهدون أتباعهم وأهل القبول منهم بإذننا لهم بذلك ، وتقويتنا إياهم عليه . وقوله :
لَمَّا صَبَرُوا
اختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة ، وبعض أهل الكوفة :
لَمَّا صَبَرُوا
بفتح اللام وتشديد الميم ، بمعنى : إذ صبروا ، وحين صبروا . وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة : " لما " بكسر اللام وتخفيف الميم ، بمعنى : لصبرهم عن الدنيا وشهواتها ، واجتهادهم في طاعتنا ، واعمل بأمرنا .
وذكر أن ذلك في قراءة ابن مسعود : " بما صبروا " . وما إذا كسرت اللام من " لما " في موضع خفض ، وإذا فتحت اللام وشددت الميم ، فلا موضع لها ، لأنها حينئذ أداة . والقول عندي في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان متقاربتا المعنى ، قد قرأ بكل واحدة منهما عامة من القراء فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب .
وتأويل الكلام إذا قرئ ذلك بفتح اللام وتشديد الميم : وجعلنا منهم أئمة يهدون أتباعهم بإذننا إياهم ، وتقويتنا إياهم على الهداية ، إذ صبروا على طاعتنا ، وعزفوا أنفسهم عن لذات الدنيا وشهواتها . وإذا قرئ بكسر اللام على ما قد وصفنا . وقد : حدثنا ابن وكيع ، قال : قال أبي وكيع ، سمعنا في
وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا
قال : عن الدنيا . وقوله :
وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ
يقول : وكانوا أهل يقين بما دلهم عليه حججنا ، وأهل تصديق بما تبين لهم من الحق ؛ وإيمان برسلنا ، وآيات كتابنا وتنزيلنا .
القول في تأويل قوله تعالى :
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
يقول تعالى ذكره : إن ربك يا محمد هو يبين جميع خلقه يوم القيامة فيما كانوا فيه في الدنيا يختلفون من أمور الدين والبعث والثواب والعقاب ، وغير ذلك من أسباب دينهم ، فيفرق بينهم بقضاء فاصل بإيجابه لأهل الحق الجنة ، ولأهل الباطل النار . القول في تأويل قوله تعالى :
أَ وَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ
يقول