تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 100

مساهمون:

ص١٠٠
أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قال : إن سليمان أوتي ملكا ، وكان لا يعلم أن أحدا أوتي ملكا غيره ؛ فلما فقد الهدهد سأله : من أين جئت ؟ ووعده وعيدا شديدا بالقتل والعذاب ، قال :
جِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ
قال له سليمان : ما هذا النبأ ؟ قال الهدهد :
إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً
بسبأ
تَمْلِكُهُمْ ، وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ، وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ
فلما أخبر الهدهد سليمان أنه وجد سلطانا ، أنكر أن يكون لأحد في الأرض سلطان غيره ، فقال لمن عنده من الجن والإنس :
يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ؟ قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ ، وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ
قال سليمان : أريد أعجل من ذلك
قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ
وهو رجل من الإنس عنده علم من الكتاب فيه اسم الله الأكبر ، الذي إذا دعي به أجاب :
أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ
فدعا بالاسم وهو عنده قائم ، فاحتمل العرش احتمالا حتى وضع بين يدي سليمان ، والله صنع ذلك ؛ فلما أتى سليمان بالعرش وهم مشركون ، يسجدون للشمس والقمر ، أخبره الهدهد بذلك ، فكتب معه كتابا ثم بعثه إليهم ، حتى إذا جاء الهدهد الملكة ألقى إليها الكتاب
قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ
إلى
وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ
فقالت لقومها ما قالت
وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ
قال : وبعثت إليه بوصائف ووصفاء ، وألبستهم لباسا واحدا ، حتى لا يعرف ذكر من أنثى ، فقالت : إن زيل بينهم حتى يعرف الذكر من الأنثى ، ثم رد الهدية ، فإنه نبي ، وينبغي لنا أن نترك ملكنا ونتبع دينه ونلحق به ، فرد سليمان الهدية وزيل بينهم ، فقال : هؤلاء غلمان ، وهؤلاء جوار ، وقال :
أَ تُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ
إلى آخر الآية . حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله :
إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ
الآية ؛ قال : وأنكر سليمان أن يكون لأحد على الأرض سلطان غيره ، قال لمن حوله من الجن والإنس :
أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها
الآية . وقال آخرون : بل إنما اختبر صدق الهدهد سليمان بالكتاب ، وإنما سأل من عنده إحضاره عرش المرأة بعد ما خرجت رسلها من عنده ، وبعد أن أقبلت المرأة إليه . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن بعض أهل العلم ، عن وهب بن منبه ، قال : لما رجعت إليها الرسل بما قال سليمان : قالت : قد والله عرفت ما هذا بملك ، وما لنا به طاقة ، وما نصنع بمكاثرته شيئا ، وبعثت : إني قادمة عليك بملوك قومي ، حتى أنظر ما أمرك ، وما تدعو إليه من دينك . ثم أمرت بسرير ملكها ، الذي كانت تجلس عليه ، وكان من ذهب مفصص بالياقوت والزبرجد واللؤلؤ ، فجعل في سبعة أبيات بعضها في بعض ، ثم أقفلت عليه الأبواب . وكانت إنما يخدمها النساء ، معها ست مئة امرأة يخدمنها ؛ ثم قالت لمن خلفت على سلطانها ، احتفظ بما قبلك ، وبسرير ملكي ، فلا يخلص إليه أحد من عباد الله ، ولا يرينه أحد حتى آتيك ؛ ثم شخصت إلى سليمان في اثني عشر ألف قيل معها من ملوك اليمن ، تحت يد كل قيل منهم ألوف كثيرة ، فجعل سليمان يبعث الجن ، . فيأتونه بمسيرها ومنتهاها كل يوم وليلة ، حتى إذا دنت جمع من عنده من الجن والإنس ممن تحت يده ، فقال :
يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ
. وتأويل الكلام : قال سليمان لأشراف من حضره من جنده من الجن والإنس :
يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها
يعني سريرها . كما : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قوله :
أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها