تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 99

مساهمون:

ص٩٩
، لأنها معروفة في لغات العرب ، مشهورة في منطقها . وقوله :
فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ
يقول : فما آتاني الله من المال والدنيا أكثر مما أعطاكم منها وأفضل .
بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ
يقول : ما أفرح بهديتكم التي أهديتم إلي ، بل أنتم تفرحون بالهدية التي تهدى إليكم ، لأنكم أهل مفاخرة بالدنيا ، ومكاثرة بها ، وليست الدنيا وأموالها من حاجتي ، لأن لله تعالى ذكره قد مكنني منها وملكني فيها ما لم يملك أحدا .
ارْجِعْ إِلَيْهِمْ
وهذا قول سليمان لرسول المرأة
ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها
لا طاقة لهم بها ولا قدرة لهم على دفعهم عما أرادوا منهم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن بعض أهل العلم ، عن وهب بن منبه ، قال : لما أتت الهدايا سليمان فيها الوصائف والوصفاء ، والخيل العراب ، وأصناف من أصناف الدنيا ، قال للرسل . الذين جاءوا به :
أَ تُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ
لأنه لا حاجة لي بهديتكم ، وليس رأيي فيه كرأيكم ، فارجعوا إليها بما جئتم به من عندها ،
فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها
. حدثنا عمرو بن عبد الحميد ، قال : ثنا مروان بن معاوية ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن أبي صالح في قوله :
فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها
قال : لا طاقة لهم بها . وقوله :
وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ
يقول : ولنخرجن من أرسلكم من أرضهم أذلة وهم صاغرون إن لم يأتوني مسلمين . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن بعض أهل العلم ، عن وهب بن منبه :
وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ
، أو لتأتيني مسلمة هي وقومها . القول في تأويل قوله تعالى :
قالَ يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ . . .
أَمِينٌ
. . . هذا مِنْ فَضْلِ
. . . كَرِيمٌ
اختلف أهل العلم في الحين الذي قال فيه سليمان
يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها
فقال بعضهم : قال ذلك حين أتاه الهدهد بنبأ صاحبة سبأ ، وقال له :
جِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ
وأخبره أن لها عرشا عظيما ، فقال له سليمان صلى الله عليه وسلم :
سَنَنْظُرُ أَ صَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ
فكان اختباره صدقه من كذبه بأن قال لهؤلاء : أيكم يأتيني بعرش هذه المرأة قبل أن يأتوني مسلمين . وقالوا إنما كتب سليمان الكتاب مع الهدهد إلى المرأة بعد ما صح عنده صدق الهدهد بمجيء العالم بعرشها إليه على ما وصفه به الهدهد ، قالوا : ولولا ذلك كان محالا أن يكتب معه كتابا إلى من لا يدري ، هل هو في الدنيا أم لا ؟ قالوا : وأخرى أنه لو كان كتب مع الهدهد كتابا إلى المرأة قبل مجيء عرشها إليه ، وقبل علمه صدق الهدهد بذلك ، لم يكن لقوله له
سَنَنْظُرُ أَ صَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ
معنى ، لأنه لا يلم بخبره الثاني من إبلاغه إياها الكتاب ، أو ترك إبلاغه إياها ذلك ، إلا نحو الذي علم بخبره الأول حين قال له :
جِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ
قالوا : وإن لم يكن في الكتاب معهم امتحان صدقه من كذبه ، وكان محالا أن يقول نبي الله قولا لا معنى له وقد قال :
سَنَنْظُرُ أَ صَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ
علم أن الذي امتحن به صدق الهدهد من كذبه هو مصير عرش المرأة إليه ، على ما أخبره به الهدهد الشاهد على صدقه ، ثم كان الكتاب معه بعد ذلك إليها . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني