تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 98

مساهمون:

ص٩٨
الرجل نبيا مرسلا فلا طاقة لنا به ولا قوة ، وإن يكن الرجل ملكا يكاثر ، فليس بأعز منا ، ولا أعد . فهيأت هدايا مما يهدى للملوك ، مما يفتنون به ، فقالت : إن يكن ملكا فسيقبل الهدية ويرغب في المال ، وإن يكن نبيا فليس له في الدنيا حاجة ، وليس إياها يريد ، إنما يريد أن ندخل معه في دينه ونتبعه على أمره ، أو كما قالت . حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله :
وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ
بعثت بوصائف ووصفاء ، لباسهم لباس واحد ، فقالت : إن زيل بينهم حتى يعرف الذكر من الأنثى ، ثم رد الهدية فهو نبي ، وينبغي لنا أن نتبعه ، وندخل في دينه ؛ فزيل سليمان بين الغلمان والجواري ، ورد الهدية ، فقال
أَ تُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ
. حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : كان في الهدايا التي بعثت بها وصائف ووصفاء يختلفون في ثيابهم ، لتمييز الغلمان من الجواري ، قال : فدعا بماء ، فجعل الجواري يتوضأن من المرفق إلى أسفل ، وجعل الغلمان يتوضئون من المرفق إلى فوق . قال : وكان أبي زيد يحدثنا هذا الحديث . حدثنا عبد الأعلى ، قال : ثنا مروان بن معاوية ، قال : ثنا إسماعيل ، عن أبي صالح :
وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ
قال : أرسلت بلبنة من ذهب ، وقالت : إن كان يريد الدنيا علمته ، وإن كان يريد الآخرة علمته . وقوله :
فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ
تقول : فأنظر بأي شيء من خبره وفعله في هديتي التي أرسلها إليه ترجع رسلي ، أبقبول وانصراف عنا ، أم برد الهدية والثبات على مطالبتنا باتباعه على دينه ؟ وأسقطت الألف من " ما " في قوله
بِمَ
وأصله : بما ، لأن العرب إذا كانت " ما " بمعنى : أي ، ثم وصلوها بحرف خافض أسقطوا ألفها تفريقا بين الاستفهام وغيره ، كما قال جل ثناؤه
عَمَّ يَتَساءَلُونَ
و
قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ
، وربما أثبتوا فيها الألف ، كما قال الشاعر :
على ما قام يشتمنا لئيم * كخنزير تمرغ في رماد
وقالت :
وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ
وإنما أرسلت إلى سليمان وحده على النحو الذي بينا في قوله :
عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ
وقوله :
فَلَمَّا جاءَ سُلَيْمانَ
. إن قال قائل : وكيف قيل :
فَلَمَّا جاءَ سُلَيْمانَ
فجعل الخبر في مجيء سليمان عن واحد ، وقد قال قبل ذلك
فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ
فإن كان الرسول كان واحدا ، فكيف قيل
بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ
وإن كانوا جماعة فكيف قيل :
فَلَمَّا جاءَ سُلَيْمانَ
؟ قيل : هذا نظير ما قد بينا قبل من إظهار العرب الخبر في أمر كان من واحد على وجه الخبر ، عن جماعة إذا لم يقصد قصد الخبر عن شخص واحد بعينه ، يشار إليه بعينه ، فسمي في الخبر . وقد قيل : إن الرسول الذي وجهته ملكة سبأ إلى سليمان كان أمرأ واحدا ، فلذلك قال :
فَلَمَّا جاءَ سُلَيْمانَ
يراد به : فلما جاء الرسول سليمان ؛ واستدل قائلوا ذلك على صحة ما قالوا من ذلك بقول سليمان للرسول :
ارْجِعْ إِلَيْهِمْ
وقد ذكر أن ذلك في قراءة عبد الله ، فلما جاءوا سليمان على الجمع ، وذلك للفظ قوله :
بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ
فصلح الجمع للفظ والتوحيد للمعنى . وقوله :
قالَ أَ تُمِدُّونَنِ بِمالٍ
يقول : قال سليمان لما جاء الرسول من قبل المرأة بهداياها : أتمدونن بمال . واختلف القراء في قراءة ذلك ، فقرأه بعض قراء أهل المدينة " أتمدونني " بنونين ، وإثبات الياء . وقرأه بعض الكوفيين مثل ذلك ، غير أنه حذف الياء من آخر ذلك وكسر النون الأخيرة . وقرأه بعض قراء البصرة بنونين ، وإثبات الياء في الوصل وحذفها في الوقف . وقرأه بعض قراء الكوفة بتشديد النون وإثبات الياء . وكل هذه القراءات متقاربات وجميعها صواب