تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 77

مساهمون:

ص٧٧
إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ
حتى بلغ :
وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ
. وكان أبو بكر حلف أن لا ينفع مسطحا بنافعة ، وكان بينهما رحم ، فلما أنزلت :
وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ
حتى بلغ :
وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
قال أبو بكر : بلى ، أي رب فعاد إلى الذي كان لمسطح
إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ
حتى بلغ :
أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ
. قالت عائشة : والله ما كنت أرجو أن ينزل في كتاب ولا أطمع به ، ولكن أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤيا تذهب ما في نفسه . قالت : وسأل الجارية الحبشية ، فقالت والله لعائشة أطيب من طيب الذهب ، وما بها عيب إلا أنها ترقد حتى تدخل الشاة فتأكل عجينها ، ولئن كانت صنعت ما قال الناس ليخبرنك الله قال : فعجب الناس من فقهها . القول في تأويل قوله تعالى :
لَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً
وهذا عتاب من الله تعالى ذكره أهل الإيمان به فيما وقع في أنفسهم من إرجاف من أرجف في أمر عائشة بما أرجف به . يقول لهم تعالى ذكره : هلا أيها الناس إذ سمعتم ما قال أهل الإفك في عائشة ظن المؤمنون منكم والمؤمنات بأنفسهم خيرا يقول : ظننتم بمن قرف بذلك منكم خيرا ، ولم تظنوا به أنه أتى الفاحشة . وقال " بأنفسهم " لأن أهل الإسلام كلهم بمنزلة نفس واحدة ، لأنهم أهل ملة واحدة . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن أبيه إسحاق ، عن بعض رجال بني النجار ، أن أبا أيوب خالد بن زيد ، قالت له امرأته أم أيوب : أما تسمع ما يقول الناس في عائشة ؟ قال : بلى ، وذلك الكذب ، أكنت فاعلة ذلك يا أم أيوب ؟ قالت : لا والله ما كنت لأفعله . قال : فعائشة والله خير منك . قال : فلما نزل القرآن ، ذكر الله من قال في الفاحشة ما قال من أهل الإفك :
إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ
وذلك حسان وأصحابه الذين قالوا ما قالوا ، ثم قال :
لَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ
الآية : أي كما قال أبو أيوب وصاحبته . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
لَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً
ما هذا الخير ؟ ظن المؤمن أن المؤمن لم يكن ليفجر بأمه ، وأن الأم لم تكن لتفجر بابنها ، إن أراد أن يفجر فجر بغير أمه . يقول : إنما كانت عائشة أما ، والمؤمنون بنون لها ، محرما عليها ، وقرأ :
لَوْ لا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ
الآية . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، قوله :
ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً
قال لهم خيرا ، ألا ترى أنه يقول :
لا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ
يقول : بعضكم بعضا ، وسلموا على أنفسكم ، قال : يسلم بعضكم على بعض . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا هوذة ، قال : ثنا عوف عن الحسن ، في قوله :
لَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً
يعني بذلك المؤمنين والمؤمنات . وقوله :
وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ
يقول : وقال المؤمنون والمؤمنات : هذا الذي سمعناه من القوم الذي رمي به عائشة من الفاحشة : كذب وإثم ، يبين لمن عقل وفكر فيه أنه كذب وإثم وبهتان . كما : حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا هوذة ، قال : أخبرنا عوف عن الحسن :
وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ
قالوا : إن هذا لا ينبغي أن يتكلم به إلا من أقام
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 77 | محمد بن جرير الطبري