تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 52

مساهمون:

ص٥٢
قراءتان مشهورتان قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القراء ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب . وذلك أن الله قد فصلها ، وأنزل فيها ضروبا من الأحكام ، وأمر فيها ونهى ، وفرض على عباده فيها فرائض ، ففيها المعنيان كلاهما : التفريض ، والفرض ؛ فلذلك قلنا بأية القراءتين قرأ القارئ فمصيب الصواب . ذكر من تأول ذلك بمعنى الفرض والبيان من أهل التأويل : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، في قوله :
وَفَرَضْناها
يقول : بيناها . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها
قال : فرضناها لهذا الذي يتلوها مما فرض فيها . وقرأ
فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
. وقوله :
وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ
يقول تعالى ذكره : وأنزلنا في هذه السورة علامات ودلالات على الحق بينات ، يعني واضحات لمن تأملها وفكر فيها بعقل أنها من عند الله ، فإنها الحق المبين ، وإنها تهدي إلى الصراط المستقيم . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج :
وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ
قال : الحلال والحرام والحدود .
وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ
يقول : لتتذكروا بهذه الآيات البينات التي أنزلناها . القول في تأويل قوله تعالى :
الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ
الزنى يقول تعالى ذكره : من زنى من الرجال أو زنت من النساء ، وهو حر بكر غير محصن بزوج ، فاجلدوه ضربا مائة جلدة عقوبة لما صنع وأتى من معصية الله .
وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ
يقول تعالى ذكره : لا تأخذكم بالزاني والزانية أيها المؤمنون رأفة ، وهي رقة الرحمة في دين الله ، يعني في طاعة الله فيما أمركم به من إقامة الحد الزنى عليهما على ما ألزمكم به . واختلف أهل التأويل في المنهي عنه المؤمنون من أخذ الرأفة بهما ، فقال بعضهم : هو ترك إقامة حد الله عليهما ، فأما إذا أقيم عليهما الحد فلم تأخذهم بهما رأفة في دين الله . ذكر من قال ذلك : حدثنا أبو هشام ، قال : ثنا يحيى بن أبي زائدة ، عن نافع بن عمر ، عن ابن أبي مليكة ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر ، قال : جلد ابن عمر جارية له أحدثت ، فجلد رجليها قال نافع : وحسبت أنه قال : وظهرها فقلت :
وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ
الزنى فقال : وأخذتني بها رأفة ، إن الله لم يأمرني أن أقتلها . حدثني يعقوب ، قال : ثنا ابن علية ، عن ابن جريج ، قال : سمعت عبد الله بن أبي مليكة يقول : ثني عبيد الله بن عبد الله بن عمر ، أن عبد الله بن عمر حد جارية له ، فقال للجالد ، وأشار إلى رجلها وإلى أسفلها ، قلت : فأين قول الله :
وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ
قال : أفأقتلها ؟ الزنى . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد :
وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ
الزنى فقال : أن تقيم الحد . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج :
وَلا تَأْخُذْكُمْ
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 52 | محمد بن جرير الطبري