اختلفت القراء في قراءة قوله :
قالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا
اختلافهم في قراءة قوله :
قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ
. والقول عندنا في ذلك في هذا الموضع نحو القول الذي بيناه قبل في قوله :
كَمْ لَبِثْتُمْ
وتأويل الكلام على قراءتنا : قال الله لهم : ما لبثتم في الأرض إلا قليلا يسيرا لو أنكم كنتم تعلمون قدر لبثكم فيها . وقوله :
أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً
يقول تعالى ذكره : أفحسبتم أيها الأشقياء أنا إنما خلقناكم إذ خلقناكم لعبا وباطلا ، وأنكم إلى ربكم بعد مماتكم لا تصيرون أحياء فتجزون بما كنتم في الدنيا تعملون ؟ . وقد اختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأه بعض قراء المدينة والبصرة والكوفة :
لا تُرْجَعُونَ
بضم التاء : لا تردون ، وقالوا :
إنما هو من مرجع الآخرة لا من الرجوع إلى الدنيا . وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة : " لا ترجعون " وقالوا :
سواء في ذلك مرجع الآخرة والرجوع إلى الدنيا . وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال : إنهما قراءتان متقاربتا المعنى ؛ لأن من رده الله إلى الآخرة من الدنيا بعد فنائه فقد رجع إليها ، وأن من رجع إليها فبرد الله إياه إليها رجع . وهما مع ذلك قراءتان مشهورتان قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القراء ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب . وبنحو الذي قلنا في معنى قوله :
أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً
قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال :
ثني حجاج ، عن ابن جريج :
أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً
قال : باطلا . القول في تأويل قوله تعالى :
فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ
يقول تعالى ذكره : فتعالى الله الملك الحق عما يصفه به هؤلاء المشركون من أن له شريكا ، وعما يضيفون إليه من اتخاذ البنات .
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
يقول : لا معبود تنبغي له العبودة إلا الله الملك الحق ؛
رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ
والرب : مرفوع بالرد على الحق ، ومعنى الكلام : فتعالى الله الملك الحق ، رب العرش الكريم ، لا إله إلا هو . القول في تأويل قوله تعالى :
وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ . . .
الْكافِرُونَ
يقول تعالى ذكره : ومن يدع مع المعبود الذي لا تصلح العبادة إلا له معبودا آخر ، لا حجة له بما يقول ويعمل من ذلك ولا بينة . كما : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله :
لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ
قال : بينة . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد :
لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ
قال : حجة . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا حكام ، عن عنبسة ، عن محمد بن عبد الرحمن ، عن القاسم بن أبي بزة ، عن مجاهد ، في قوله :
لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ
قال : لا حجة . وقوله :
فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ
يقول : فإنما حساب عمله السيء عند ربه ، وهو موفيه جزاءه إذا قدم عليه .
إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ
يقول :
إنه لا ينجح أهل الكفر بالله عنده ولا يدركون الخلود والبقاء في النعيم . القول في تأويل