الشدة في الضرب لا حد لها يوقف عليه ، وكل ضرب أوجع فهو شديد ، وليس للذي يوجع في الشدة حد لا زيادة فيه فيؤمر به ؛ وغير جائز وصفه جل ثناؤه بأنه أمر بما لا سبيل للمأمور به إلى معرفته . وإذا كان ذلك كذلك ، فالذي للمأمورين إلى معرفته السبيل هو عدد الجلد على ما أمر به ، وذلك هو إقامة الحد على ما قلنا . وللعرب في الرأفة لغتان : الرأفة بتسكين الهمزة ، والرآفة بمدها ، كالسأمة والسآمة ، والكأبة والكآبة . وكأن الرأفة المرة الواحدة ، والرآفة المصدر ، كما قيل : ضؤل ضآلة مثل فعل فعالة ، وقبح قباحة . وقوله : إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يقول : إن كنتم تصدقون بالله ربكم وباليوم الآخر ، وأنكم فيه مبعوثون لحشر القيامة وللثواب والعقاب ، فإن من كان بذلك مصدقا فإنه لا يخالف الله في أمره ونهيه خوف عقابه على معاصيه . وقوله : وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يقول تعالى ذكره : وليحضر شهود جلد الزانيين البكرين وحدهما إذا أقيم عليهما طائفة من المؤمنين . والعرب تسمي الواحد فما زاد : طائفة . مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يقول : من أهل الإيمان بالله ورسوله . وقد اختلف أهل التأويل في مبلغ عدد الطائفة الذي أمر الله بشهود عذاب الزانيين البكرين ، فقال بعضهم : أقله واحد . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قال شهود جلد الزانيين : الطائفة : رجل . حدثنا علي بن سهل بن موسى بن إسحاق الكناني وابن القواس ، قالا : ثنا يحيى بن عيسى ، عن سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قول الله : وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ شهود جلد الزانيين قال : الطائفة رجل . قال علي : فما فوق ذلك ؛ وقال ابن القواس : فأكثر من ذلك . حدثنا علي ، قال : ثنا زيد ، عن سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قال شهود جلد الزانيين : الطائفة : رجل . حدثنا يعقوب ، قال : ثنا ابن علية ، قال : قال ابن أبي نجيح : وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ شهود جلد الزانيين قال مجاهد : أقله رجل . حدثني يعقوب ، قال : ثنا هشيم ، قال : أخبرنا أبو بشر ، عن مجاهد ، في قوله : وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ شهود جلد الزانيين قال : الطائفة : الواحد إلى الألف . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة ، عن أبي بشر ، عن مجاهد في هذه الآية : وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ شهود جلد الزانيين قال : الطائفة واحد إلى الألف ؛ وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما . حدثنا ابن المثنى ، قال : ثني وهب بن جرير ، قال : ثنا شعبة ، عن أبي بشر ، عن مجاهد ، قال : شهود جلد الزانيين الطائفة : الرجل الواحد إلى الألف ، قال : وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما إنما كانا رجلين . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : سمعت عيسى بن يونس ، يقول : ثنا النعمان بن ثابت ، عن حماد وإبراهيم قالا شهود جلد الزانيين : الطائفة : رجل . حدثنا الحسن ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا الثوري ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله : وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ شهود جلد الزانيين قال : الطائفة : رجل واحد فما فوقه . وقال آخرون : أقله في هذا الموضع رجلان شهود جلد الزانيين .
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 54
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص٥٤