الذين يستهزئون بهم هم " سخريا " ، فتلك " سخريا " يسخرونهم عندك ، فسخرك : رفعك فوقه ؛ والآخرون :
استهزءوا بأهل الإسلام هي " سخريا " يسخرون منهم ، فهما مختلفتان . وقرأ قول الله :
كُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ
وقال : يسخرون منهم كما سخر قوم نوح بنوح ، " اتخذوهم سخريا " : اتخذوهم هزؤا ، لم يزالوا يستهزئون بهم . وقوله :
حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي
يقول : لم يزل استهزاؤكم بهم ، أنساكم ذلك من فعلكم بهم ذكري ، فألهاكم عنه .
وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ
، كما : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي
قال : أنسى هؤلاء الله استهزاؤهم بهم وضحكهم بهم . وقرأ :
إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ
حتى بلغ :
إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ
. وقوله :
إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا
يقول تعالى ذكره : إني أيها المشركون بالله المخلدون في النار ، جزيت الذين اتخذتموهم في الدنيا سخريا من أهل الإيمان بي ، وكنتم منهم تضحكون .
الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا
على ما كانوا يلقون بينكم من أذى سخريتكم وضحككم منهم في الدنيا .
أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ
اختلفت القراء في قراءة : " إنهم " فقرأته عامة قراء أهل المدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة :
أَنَّهُمْ
بفتح الألف من " أنهم " بمعنى : جزيتهم هذا ف " أن " في قراءة هؤلاء : في موضع نصب بوقوع قوله : " جزيتهم " عليها ، لأن معنى الكلام عندهم : إني جزيتهم اليوم الفوز بالجنة . وقد يحتمل النصب من وجه آخر ، وهو أن يكون موجها معناه إلى : إني جزيتهم اليوم بما صبروا ، لأنهم هم الفائزون بما صبروا في الدنيا على ما لقوا في ذات الله . وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة : " إني " بكسر الألف منها ، بمعنى الابتداء ، وقالوا : ذلك ابتداء من الله مدحهم . وأولى القراءتين في ذلك بالصواب قراءة من قرأ بكسر الألف ، لأن قوله : " جزيتهم " ، قد عمل في الهاء والميم ، والجزاء إنما يعمل في منصوبين ، وإذا عمل في الهاء والميم لم يكن له العمل في " أن " فيصير عاملا في ثلاثة إلا أن ينوي به التكرير ، فيكون نصب " أن " حينئذ بفعل مضمر لا بقوله : " جزيتهم " ، وإن هي نصبت بإضمار لام لم يكن له أيضا كبير معنى ؛ لأن جزاء الله عباده المؤمنين بالجنة ، إنما هو على ما سلف من صالح أعمالهم في الدنيا وجزاؤه إياهم وذلك في الآخرة هو الفوز ، فلا معنى لأن يشرط لهم الفوز بالأعمال ثم يخبر أنهم إنما فازوا لأنهم هم الفائزون . فتأويل الكلام إذ كان الصواب من القراءة ما ذكرنا : إني جزيتهم اليوم الجنة بما صبروا في الدنيا على أذاكم بها ، في أنهم اليوم هم الفائزون بالنعيم الدائم والكرامة الباقية أبدا ، بما عملوا من صالحات الأعمال في الدنيا ولقوا في طلب رضاي من المكاره فيها . القول في تأويل قوله تعالى :
قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ
اختلفت القراء في قراءة قوله :
كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ
وفي قوله :
لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ
فقرأ ذلك عامة قراء