تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 114

مساهمون:

ص١١٤
كالتكثير للحرف ، كما فعلوا ذلك في قولهم : وعدته عدة ، ووزنته زنة ؛ إذ ذهبت الواو من أوله ، كثروه من آخره بالهاء ؛ فلما أضيفت الإقامة إلى الصلاة ، حذفوا الزيادة التي كانوا زادوها للتكثير ، وهي الهاء في آخرها ؛ لأن الخافض وما خفض عندهم كالحرف الواحد ، فاستغنوا بالمضاف إليه من الحرف الزائد . وقد قال بعضهم في نظير ذلك :
إن الخليط أجدوا البين فانجردوا * وأخلفوك عد الأمر الذي وعدوا
يريد : عدة الأمر . فأسقط الهاء من العدة لما أضافها ، فكذلك ذلك في إقام الصلاة . وقوله :
وَإِيتاءِ الزَّكاةِ
قيل : معناه وإخلاص الطاعة لله . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله :
وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ
.
وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ
. وقوله :
وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ
. وقوله :
وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً
. وقوله :
وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا وَزَكاةً
. ونحو هذا في القرآن ، قال : يعني بالزكاة : طاعة الله والإخلاص . وقوله :
يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ
يقول : يخافون يوما تتقلب فيه القلوب من هوله ، بين طمع بالنجاة وحذر بالهلاك .
وَالْأَبْصارُ
أي ناحية يؤخذ بهم : أذات اليمين أم ذات الشمال ؟ ومن أين يؤتون كتبهم : أمن قبل الأيمان أو من قبل الشمائل ؟ وذلك يوم القيامة . كما : حدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال عبد الله بن عياش ، قال : زيد بن أسلم ، في قول الله :
فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ
إلى قوله :
تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ
يوم القيامة . وقوله :
لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا
يقول : فعلوا ذلك ، يعني أنهم لم تلههم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ، وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطاعوا ربهم ، مخافة عذابه يوم القيامة ؛ كي يثيبهم الله يوم القيامة بأحسن أعمالهم التي عملوها في الدنيا ، ويزيدهم على ثوابه إياهم على أحسن أعمالهم التي عملوها في الدنيا ، من فضله ، فيفضل عليهم عن عنده بما أحب من كرامته لهم . وقوله :
وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ
يقول تعالى ذكره : يتفضل على من شاء وأراد من طوله وكرامته ، مما لم يستحقه بعمله ولم يبلغه بطاعته ؛
بِغَيْرِ حِسابٍ
يقول : بغير محاسبة على ما بذل له وأعطاه . القول في تأويل قوله تعالى :
وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ
وهذا مثل ضربه الله لأعمال أهل الكفر به ، فقال : والذين جحدوا توحيد ربهم وكذبوا بهذا القرآن وبمن جاء به ، مثل أعمالهم التي عملوها
كَسَرابٍ
يقول : مثل سراب ، والسراب ما لصق بالأرض ، وذلك يكون نصف النهار وحين يشتد الحر . والآل ما كان كالماء بين السماء والأرض ، وذلك يكون أول النهار ، يرفع كل شيء ضحى . وقوله :
بِقِيعَةٍ
وهي جمع قاع ، كالجيرة جمع جار ، والقاع ما انبسط من الأرض واتسع ، وفيه يكون السراب . وقوله :
يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً
يقول : يظن العطشان من الناس السراب ، ماء .
حَتَّى إِذا جاءَهُ
والهاء من ذكر الشراب ، والمعنى : حتى إذا جاء الظمآن السراب ملتمسا ماء يستغيث به من عطشه
لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً
يقول : لم يجد السراب شيئا ، فكذلك الكافرون بالله من أعمالهم التي عملوها في غرور يحسبون أنها منجيتهم عند الله من عذابه ، كما حسب الظمآن الذي رأى السراب فظنه ماء يرويه من ظمئه ؛ حتى إذا هلك وصار إلى الحاجة إلى عمله الذي كان يرى أنه نافعه عند الله ، لم يجده ينفعه شيئا ؛ لأنه كان