يقول : ولا تكرهوا إماءكم الإكراه على الزنا فإن فعلتم فإن الله سبحانه لهن غفور رحيم وإثمهن على من أكرههن . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله :
وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ
إلى آخر الآية ، قال : كانوا في الجاهلية يكرهون إماءهم على الزنا ، يأخذون أجورهن ، فقال الله : لا تكرهوهن على الزنا من أجل المنالة في الدنيا ، ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم لهن ؛ يعني إذا أكرهن . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد
وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ
على الزنا . قال : عبد الله بن أبي ابن سلول أمر أمة له عبد الله بالزنا ، فجاءته بدينار أو ببرد شك أبو عاصم فأعطته ، فقال : ارجعي فازني بآخر فقالت : والله ما أنا براجعة ، فالله غفور رحيم للمكرهات على الزنا ففي هذا أنزلت هذه الآية . حدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، نحوه ، إلا أنه قال في حديثه : أمة له عبد الله بالزنا ، فزنت ، فجاءته ببرد فأعطته . فلم يشك . حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله
وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ
يقول : على الزنا .
فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ
يقول : غفور لهن ، للمكرهات على الزنا . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال : ابن زيد ، في قوله :
وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ
قال : غفور رحيم لهن حين أكرهن وقسرن على ذلك . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن منصور ، عن مجاهد ، قال : كانوا يأمرون ولائدهم يباغين ، يفعلن ذلك ، فيصبن ، فيأتينهم بكسبهن ، فكانت لعبد الله بن أبي ابن سلول جارية ، فكانت تباغي ، فكرهت وحلفت أن لا تفعله ، فأكرهها أهلها ، فانطلقت فباغت ببرد أخضر ، فأتتهم به ، فأنزل الله تبارك وتعالى :
وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ
الآية . القول في تأويل قوله تعالى :
وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ
يقول تعالى ذكره : ولقد أنزلنا إليكم أيها الناس دلالات وعلامات مبينات ؛ يقول : مفصلات الحق من الباطل ، وموضحات ذلك .
واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء المدينة وبعض الكوفيين والبصريين " مبينات " بفتح الياء : بمعنى مفصلات ، وأن الله فصلهن وبينهن لعباده ، فهن مفصلات مبينات . وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة :
مُبَيِّناتٍ
بكسر الياء ، بمعنى أن الآيات هن تبين الحق والصواب للناس وتهديهم إلى الحق . والصواب من القول في ذلك عندنا أنهما قراءتان معروفتان ، وقد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القراء ، متقاربتا المعنى . وذلك أن الله إذ فصلها وبينها صارت مبينة بنفسها الحق لمن التمسه من قبلها ، وإذا بينت ذلك لمن التمسه من قبلها فيبين الله ذلك فيها . فبأي القراءتين قرأ القارئ فمصيب في قراءته الصواب . وقوله :
وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ
من الأمم ، وموعظة لمن اتقى الله ، فخاف عقابه وخشي عذابه . القول في تأويل قوله تعالى :
اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ