تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 102

مساهمون:

ص١٠٢
فوضع من آخر كتابته خمسة آلاف المكاتبة . ولم يذكر نافع أنه أعطاه شيئا غير الذي وضع له . قال أخبرنا ابن وهب ، قال : قال مالك : سمعت بعض أهل العلم يقول : إن ذلك أن يكاتب الرجل غلامه ، ثم يضع عنه من آخر كتابته شيئا مسمى المكاتبة . قال مالك : وذلك أحسن ما سمعت ، وعلى ذلك أهل العلم وعمل الناس عندنا . حدثني علي ، قال : ثنا زيد ، قال : ثنا سفيان : أحب إلي أن يعطيه الربع أو أقل منه شيئا ، وليس بواجب ؛ وأن يفعل ذلك حسن المكاتبة . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن عطاء ، عن عبد الله ابن حبيب أبي عبد الرحمن السلمي ، عن علي رضي الله عنه :
وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ
قال : هو ربع المكاتبة المكاتبة . وقال آخرون : بل ذلك حض من الله أهل الأموال على أن يعطوهم سهمهم الذي جعله لهم من الصدقات المفروضة لهم في أموالهم بقوله :
إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ
قال : فالرقاب التي جعل فيها أحد سهمان الصدقة الثمانية هم المكاتبون ، قال : وإياه عني جل ثناؤه بقوله :
وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ
المكاتبة أي سهمهم من الصدقة . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثني يحيى بن واضح ، قال : ثنا الحسين ، عن ابن زيد ، عن أبيه ، قوله :
وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ
المكاتبة قال : يحث الله عليه ، يعطونه . حدثني يعقوب ، قال : ثني ابن علية ، قال : أخبرنا يونس ، عن الحسن :
وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ
قال : حث الناس عليه ؛ مولاه وغيره . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن مغيرة ، عن حماد ، عن إبراهيم ، في قوله :
وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ
المكاتبة قال : يعطي مكاتبه وغيره ، حث الناس عليه . حدثني يعقوب ، قال : ثنا هشيم ، عن مغيرة ، عن إبراهيم أنه قال في قوله :
وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ
قال : أمر مولاه والناس جميعا أن يعينوه . حدثنا ابن المثنى ، قال : ثنا محمد ، قال : ثنا شعبة ، عن مغيرة ، عن إبراهيم :
وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ
قال : أمر المسلمين أن يعطوهم مما آتاهم الله المكاتبة . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : ثني ابن زيد ، عن أبيه زيد :
وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ
المكاتبة قال : ذلك في الزكاة على الولاة يعطونهم من الزكاة ، يقول الله
وَفِي الرِّقابِ
. حدثني يونس قال : ثني ابن زيد ، عن أبيه :
وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ
المكاتبة قال : الفيء والصدقات . وقرأ قول الله :
إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ
، وقرأ حتى بلغ :
وَفِي الرِّقابِ
فأمر الله أن يوفوها منه ، فليس ذلك من الكتابة . قال : وكان أبي يقول : ماله وللكتابة هو من مال الله الذي فرض له فيه نصيبا . وأولى القولين بالصواب في ذلك عندي القول الثاني ، وهو قول من قال : عنى به إيتاءهم سهمهم من الصدقة المفروضة . وإنما قلنا ذلك أولى القولين ؛ لأن قوله :
وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ
المكاتبة أمر من الله تعالى ذكره بإيتاء المكاتبين من ماله الذي آتى أهل الأموال ، وأمر الله فرض على عباده الانتهاء إليه ، ما لم يخبرهم أن مراده الندب ، لما قد بينا في غير موضع من كتابنا . فإذ كان ذلك كذلك ، ولم يكن أخبرنا في كتابه ولا على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم أنه ندب ، ففرض واجب . وإذ كان ذلك كذلك ، وكانت الحجة قد قامت أن لا حق لأحد في مال أحد غيره من المسلمين إلا ما أوجبه الله لأهل سهمان الصدقة في أموال الأغنياء منهم ، وكانت الكتابة التي يقتضيها سيد المكاتب من مكاتبه مالا من مال سيد المكاتب ؛ فيفاد أن الحق الذي أوجب الله له على المؤمنين أن يؤتوه من أموالهم هو ما فرض