ذلك قول من قال : الهاء من ذكر نبي الله صلى الله عليه وسلم ودينه ؛ وذلك أن الله تعالى ذكره ذكر قوما يعبدونه على حرف وأنهم يطمئنون بالدين إن أصابوا خيرا في عبادتهم إياه وأنهم يرتدون عن دينهم لشدة تصيبهم فيها ، ثم أتبع ذلك هذه الآية ؛ فمعلوم أنه إنما أتبعه إياها توبيخا لهم على ارتدادهم عن الدين أو على شكهم فيه نفاقهم ، استبطاء منهم السعة في العيش أو السبوغ في الرزق . وإذا كان الواجب أن يكون ذلك عقيب الخبر عن نفاقهم ، فمعنى الكلام إذن إذ كان ذلك كذلك : من كان يحسب أن لن يرزق الله محمدا صلى الله عليه وسلم وأمته في الدنيا فيوسع عليهم من فضله فيها ، ويرزقهم في الآخرة من سني عطاياه وكرامته ، استبطاء منه فعل الله ذلك به وبهم ، فليمدد بحبل إلى سماء فوقه : إما سقف بيت ، أو غيره مما يعلق به السبب من فوقه ، ثم يختنق إذا اغتاظ من بعض ما قضى الله فاستعجل انكشاف ذلك عنه ، فلينظر هل يذهبن كيده اختناقه كذلك ما يغيظ ؟ فإن لم يذهب ذلك غيظه ، حتى يأتي الله بالفرج من عنده فيذهبه ، فكذلك استعجاله نصر الله محمدا ودينه لن يؤخر ما قضى الله له من ذلك عن ميقاته ولا يعجل قبل حينه . وقد ذكر أن هذه الآية نزلت في أسد وغطفان ، تباطئوا عن الإسلام ، وقالوا : نخاف أن لا ينصر محمد صلى الله عليه وسلم فينقطع الذي بيننا وبين حلفائنا من اليهود فلا يميروننا ولا يرووننا فقال الله تبارك وتعالى لهم : من استعجل من الله نصر محمد ، فليمدد بسبب إلى السماء فليختنق فلينظر استعجاله بذلك في نفسه هل هو مذهب غيظه ؟
فكذلك استعجاله من الله نصر محمد غير مقدم نصره قبل حينه . واختلف أهل العربية في " ما " التي في قوله :
ما يَغِيظُ
فقال بعض نحويي البصرة هي بمعنى " الذي " ، وقال : معنى الكلام : هل يذهبن كيده الذي يغيظه . قال : وحذفت الهاء لأنها صلة " الذي " ، لأنه إذا صارا جميعا اسما واحدا كان الحذف أخف . وقال غيره : بل هو مصدر لا حاجة به إلى الهاء ، هل يذهبن كيده غيظه . وقوله :
وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ
يقول تعالى ذكره : وكما بينت لكم حججي على من جحد قدرتي على إحياء من مات من الخلق بعد فنائه فأوضحتها أيها الناس ، كذلك أنزلنا إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم هذا القرآن آيات بينات ، يعني دلالات واضحات ، يهدين من أراد الله هدايته إلى الحق .
أَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ
يقول جل ثناؤه : ولأن الله يوفق الصواب ولسبيل الحق من أراد ، أنزل هذا القرآن آيات بينات ؛ ف " أن " في موضع نصب . القول في تأويل قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ
يقول تعالى ذكره : إن الفصل بين هؤلاء المنافقين الذين يعبدون الله على حرف ، والذين أشركوا بالله فعبدوا الأوثان والأصنام ، والذين هادوا ، وهم اليهود والصابئين والنصارى والمجوس الذي عظموا النيران وخدموها ، وبين الذين آمنوا بالله ورسله إلى الله ، وسيفصل بينهم يوم القيامة بعدل من القضاء وفصله بينهم إدخاله النار الأحزاب كلهم والجنة المؤمنين به وبرسله ؛ فذلك هو الفصل من الله بينهم .
وكان قتادة يقول في ذلك ، ما : حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، في قوله :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا
قال : الصابئون : قوم يعبدون الملائكة ، ويصلون للقبلة ، ويقرءون الزبور . والمجوس : يعبدون الشمس والقمر والنيران . والذين أشركوا : يعبدون الأوثان . والأديان ستة : خمسة للشيطان ، وواحد للرحمن .
وأدخلت " إن " في خبر " إن " الأولى لما ذكرت من المعنى ، وأن الكلام بمعنى الجزاء ، كأنه قيل : من كان على دين من هذه الأديان ؛ ففصل ما بينه وبين من خالفه على الله . والعرب تدخل أحيانا في خبر " إن " " إن " إذا كان خبر الاسم الأول في اسم مضاف إلى ذكره ، فتقول : إن عبد الله إن الخير عنده لكثير ، كما قال الشاعر