لتؤمنوا وتصدقوا بأن ذلك الذي فعل ذلك الله الذي هو الحق لا شك فيه ، وأن من سواه مما تعبدون من الأوثان والأصنام باطل لأنها لا تقدر على فعل شيء من ذلك ، وتعلموا أن القدرة التي جعل بها هذه الأشياء العجيبة لا يتعذر عليها أن يحيي بها الموتى بعد فنائها ودروسها في التراب ، وأن فاعل ذلك على كل ما أراد وشاء من شيء قادر لا يمتنع عليه شيء أراده ، ولتوقنوا بذلك أن الساعة التي وعدتكم أن أبعث فيها الموتى من قبورهم جائية لا محالة .
لا رَيْبَ فِيها
يقول : لا شك في مجيئها وحدوثها ،
وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ
حينئذ من فيها من الأموات أحياء إلى موقف الحساب ، فلا تشكوا في ذلك ولا تمتروا فيه . القول في تأويل قوله تعالى :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ
يقول تعالى ذكره : ومن الناس من يخاصم في توحيد الله وإفراده بالألوهة بغير علم منه بما يخاصم به .
وَلا هُدىً
يقول : وبغير بيان معه لما يقول ولا برهان .
وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ
يقول : وبغير كتاب من الله أتاه لصحة ما يقول .
مُنِيرٍ
يقول ينير عن حجته ، وإنما يقول ما يقول من الجهل ظنا منه وحسبانا .
وذكر أن عني بهذه الآية والتي بعدها النضر بن الحارث من بني عبد الدار . القول في تأويل قوله تعالى :
ثانِيَ عِطْفِهِ . . .
عَذابَ الْحَرِيقِ
يقول تعالى ذكره : يجادل هذا الذي يجادل في الله بغير علم
ثانِيَ عِطْفِهِ
. واختلف أهل التأويل في المعنى الذي من أجله وصف بأنه يثني عطفه وما المراد من وصفه إياه بذلك ، فقال بعضهم : وصفه بذلك لتكبره وتبختره . وذكر عن العرب أنها تقول :
جاءني فلان ثاني عطفه : إذا جاء متبخترا من الكبر . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، في قوله :
ثانِيَ عِطْفِهِ
يقول : مستكبرا في نفسه . وقال آخرون : بل معنى ذلك : لاو رقبته . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله :
ثانِيَ عِطْفِهِ
قال : رقبته . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة :
ثانِيَ عِطْفِهِ
قال : لاو عنقه . حدثنا الحسن ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة ، مثله . وقال آخرون : معنى ذلك أنه يعرض عما يدعى إليه فلا يسمع له . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله :
ثانِيَ عِطْفِهِ
يقول : يعرض عن ذكري . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد :
ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
قال : لاويا رأسه ، معرضا موليا ، لا يريد أن يسمع ما قيل له . وقرأ :
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً
حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، قوله :
ثانِيَ عِطْفِهِ
قال : يعرض عن الحق . قال أبو جعفر : وهذه الأقوال الثلاثة متقاربات المعنى ؛ وذلك أن من كان ذا استكبار فمن شأنه الإعراض عما هو مستكبر عنه ولي عنقه عنه والإعراض . والصواب من القول في ذلك أن يقال : إن الله وصف هذا المخاصم في الله بغير علم أنه من كبره إذا دعي إلى الله أعرض عن داعيه لوى عنقه عنه ولم يسمع ما يقال له استكبارا . وقوله :
لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
يقول تعالى ذكره : يجادل هذا