الناس وثبطوهم عن اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم والإيمان بالقرآن . ذكر من قال ذلك كذلك من قراءته : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : " معجزين " معاجزين قال : مبطئين ، يبطئون الناس عن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله . والصواب من القول في ذلك أن يقال :
إنهما قراءتان مشهورتان ، قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القراء ، متقاربتا المعنى ؛ وذلك أن من عجز عن آيات الله فقد عاجز الله ، ومن معاجزة الله التعجيز عن آيات الله والعمل بمعاصيه وخلاف أمره . وكان من صفة القوم الذين أنزل الله هذه الآيات فيهم أنهم كانوا يبطئون الناس عن الإيمان بالله واتباع رسوله ويغالبون رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يحسبون أنهم ينجزونه ويغلبونه ، وقد ضمن الله له نصره عليهم ، فكان ذلك معاجزتهم الله . فإذ كان ذلك كذلك ، فبأي القراءتين قرأ القارئ فمصيب الصواب في ذلك . وأما المعاجزة فإنها المفاعلة من العجز ، ومعناه : مغالبة اثنين أحدهما صاحبه أيهما يعجزه فيغلبه الآخر ويقهره . وأما التعجيز : فإنه التضعيف وهو التفعيل من العجز . وقوله :
أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ
يقول : هؤلاء الذين هذه صفتهم هم سكان جهنم يوم القيامة وأهلها الذين هم أهلها .
القول في تأويل قوله تعالى :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ
قيل : إن السبب الذي من أجله أنزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أن الشيطان كان ألقي على لسانه في بعض ما يتلوه مما أنزل الله عليه من القرآن ما لم ينزله الله عليه ، فاشتد ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم واغتم به ، فسلاه الله مما به من ذلك بهذه الآيات . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال :
ثنا حجاج ، عن أبي معشر ، عن محمد بن كعب القرظي ومحمد بن قيس قالا : جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم في ناد من أندية قريش كثير أهله ، فتمنى يومئذ أن لا يأتيه من الله شيء فينفروا عنه ، فأنزل الله عليه :
وَالنَّجْمِ إِذا هَوى ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى
فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى إذا بلغ :
أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى
ألقي عليه الشيطان كلمتين : " تلك الغرانقة العلى ، وإن شفاعتهن لترجى " ، فتكلم بها . ثم مضى فقرأ السورة كلها . فسجد في آخر السورة ، وسجد القوم جميعا معه ، ورفع الوليد بن المغيرة ترابا إلى جبهته فسجد عليه ، وكان شيخا كبيرا لا يقدر على السجود . فرضوا بما تكلم به وقالوا : قد عرفنا أن الله يحيي ويميت وهو الذي يخلق ويرزق ، ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده ، إذ جعلت لها نصيبا ، فنحن معك قالا : فلما أمسى أتاه جبرائيل عليهما السلام فعرض عليه السورة ؛ فلما بلغ الكلمتين اللتين ألقى الشيطان عليه قال : ما جئتك بهاتين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" افتريت على الله وقلت على الله ما لم يقل " فأوحى الله إليه :
وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ، لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ
إلى قوله :
ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً
فما زال مغموما مهموما حتى نزلت عليه :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
. قال : فسمع من كان من المهاجرين بأرض الحبشة أن أهل مكة قد أسلموا كلهم ، فرجعوا إلى عشائرهم وقالوا : هم أحب إلينا فوجدوا القوم قد ارتكسوا حين نسخ الله ما ألقى الشيطان . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن يزيد بن زياد المدني ، عن محمد بن كعب القرظي قال : لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم تولي قومه عنه ، وشق عليه ما يرى من مباعدتهم ما جاءهم به من عند الله ، تمنى في نفسه أن يأتيه من الله ما يقارب به بينه وبين قومه . وكان يسره ، مع حبه وحرصه عليهم ، أن يلين له بعض ما غلظ عليه من أمرهم ، حين حدث بذلك نفسه وتمنى