تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 122

مساهمون:

ص١٢٢
في تأويل قوله تعالى :
لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ كَذلِكَ سَخَّرَها
يقول تعالى ذكره : لن يصل إلى الله لحوم بدنكم ولا دماؤها ، ولكن يناله اتقاؤكم إياه أن اتقيتموه فيها فأردتم بها وجهه وعملتم فيها بما ندبكم إليه وأمركم به في أمرها وعظمتم بها حرماته . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا يحيى ، عن سفيان ، عن منصور ، عن إبراهيم ، في قول الله :
لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ
قال : ما أريد به وجه الله . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ
قال : إن اتقيت الله في هذه البدن ، وعملت فيها لله ، وطلبت ما قال الله تعظيما لشعائر الله ولحرمات الله ، فإنه قال :
وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ
قال :
وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ
قال : وجعلته طيبا ، فذلك الذي يتقبل الله . فأما اللحوم والدماء ، فمن أين تنال الله ؟ وقوله :
كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ
يقول : هكذا سخر لكم البدن .
لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ
يقول : كي تعظموا الله على ما هداكم ، يعني على توفيقه إياكم لدينه وللنسك في حجكم . كما : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد :
لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ
قال : على ذبحها في تلك الأيام .
وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ
يقول : وبشر يا محمد الذين أطاعوا الله فأحسنوا في طاعتهم إياه في الدنيا بالجنة في الآخرة . القول في تأويل قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ
يقول تعالى ذكره : إن الله يدفع غائلة المشركين عن الذين آمنوا بالله وبرسوله ، إن الله يحب كل خوان يخون الله فيخالف أمره ونهيه ويعصيه ويطيع الشيطان ؛
كَفُورٍ
يقول : جحود لنعمه عنده ، لا يعرف لمنعمها حقه فيشكره عليها . وقيل : إنه عنى بذلك دفع الله كفار قريش عمن كان بين أظهرهم من المؤمنين قبل هجرتهم . القول في تأويل قوله تعالى :
أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا
يقول تعالى ذكره : أذن الله للمؤمنين الذين يقاتلون المشركين في سبيله بأن المشركين ظلموهم بقتالهم . واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء المدينة :
أُذِنَ
بضم الألف ،
يُقاتَلُونَ
بفتح التاء بترك تسمية الفاعل في " أذن " و " يقاتلون " جميعا . وقرأ ذلك بعض الكوفيين وعامة قراء البصرة :
أُذِنَ
بترك تسمية الفاعل ، و " يقاتلون " بكسر التاء ، بمعنى يقاتل المأذون لهم في القتال المشركين . وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين وبعض المكيين : " أذن " بفتح الألف ، بمعنى : أذن الله ، و " يقاتلون " بكسر التاء ، بمعنى : إن الذين أذن الله لهم بالقتال يقاتلون المشركين . وهذه القراءات الثلاث متقاربات المعنى ؛ لأن الذين قرءوا أذن على وجه ما لم يسم فاعله يرجع معناه في التأويل إلى معنى قراءة من قرأه على وجه ما سمي فاعله . وإن من قرأ " يقاتلون ويقاتلون " بالكسر أو الفتح ، فقريب معنى أحدهما من معنى الآخر وذلك أن من قاتل إنسانا فالذي قاتله له مقاتل ، وكل واحد منهما مقاتل . فإذ كان ذلك كذلك فبأية هذه القراءات قرأ القارئ فمصيب الصواب . غير أن أحب ذلك إلي أن أقرأ به : " أذن " بفتح الألف ، بمعنى : أذن الله ، لقرب ذلك من قوله :
إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ
إذن الله في الذين لا يحبهم للذين يقاتلونهم بقتالهم ، فيرد " أذن " على قوله :
إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ
وكذلك أحب القراءات إلي في " يقاتلون " كسر التاء ، بمعنى : الذين يقاتلون من قد أخبر الله عنهم أنه لا يحبهم ، فيكون الكلام متصلا معنى بعضه ببعض . وقد اختلف في الذين عنوا بالإذن لهم بهذه الآية في القتال ، فقال بعضهم : عني به : نبي الله وأصحابه . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله :
أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ
يعني محمدا
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 122 | محمد بن جرير الطبري