بأن يطاع الله فيها بعمل أعمال الحج وبطلب المعاش فيها بالتجارة ، إلى أن يطاف بالبيت في بعض ، أو يوافي الحرم في بعض ويخرج عن الحرم في بعض . وقال اختلف الذين ذكرنا اختلافهم في تأويل قوله :
لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى
في تأويل قوله :
ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ
فقال الذين قالوا عني بالشعائر في هذا الموضع البدن : معنى ذلك ثم محل البدن إلى أن تبلغ مكة ، وهي التي بها البيت العتيق . ذكر من قال ذلك : حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : أخبرنا هشيم ، قال : أخبرنا حجاج ، عن عطاء :
ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ
البدن إلى مكة . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال :
ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد :
ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ
يعني محل البدن حين تسمى إلى البيت العتيق . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، قال :
ثُمَّ مَحِلُّها
البدن حين تسمى هديا إلى البيت العتيق ، قال : الكعبة أعتقها من الجبابرة . فوجه هؤلاء تأويل ذلك إلى ثم منحر البدن والهدايا التي أوجبتموها إلى أرض الحرم . وقالوا : عنى بالبيت العتيق أرض الحرم كلها . وقالوا : وذلك نظير قوله :
فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ
والمراد : الحرم كله . وقال آخرون : معنى ذلك : ثم محلكم أيها الناس من مناسك حجكم شعائر الله إلى البيت العتيق أن تطوفوا به يوم النحر بعد قضائكم ما أوجبه الله عليكم في حجكم .
ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن المثنى ، قال : ثنا يزيد بن هارون ، قال : أخبرنا داود بن أبي هند ، عن محمد بن أبي موسى :
ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ
قال : محل هذه الشعائر كلها الطواف بالبيت . وقال آخرون : معنى ذلك : ثم محل منافع أيام الحج إلى البيت العتيق بانقضائها . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ
حين تنقضي تلك الأيام ، أيام الحج شعائر الله إلى البيت العتيق . وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب قول من قال : معنى ذلك : ثم محل الشعائر التي لكم فيها منافع إلى أجل مسمى إلى البيت العتيق ، فما كان من ذلك هديا أو بدنا فبموافاته الحرم في الحرم ، وما كان من نسك فالطواف بالبيت . وقد بينا الصواب في ذلك من القول عندنا في معنى الشعائر . القول في تأويل قوله تعالى :
وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ
يقول تعالى ذكره :
وَلِكُلِّ أُمَّةٍ
ولكل جماعة سلف فيكم من أهل الإيمان بالله أيها الناس ، جعلنا ذبحا البدن يهريقون دمه ؛
لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ
بذلك ؛ لأن من البهائم ما ليس من الأنعام ، كالخيل والبغال والحمير . وقيل : إنما قيل للبهائم بهائم لأنها لا تتكلم . وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله :
جَعَلْنا مَنْسَكاً
قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال . ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد :
وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً
البدن قال : إهراق الدماء ؛
لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى
.
حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال . ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله . وقوله :
فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ
يقول تعالى ذكره : فاجتنبوا الرجس من الأوثان ، واجتنبوا قول الزور ، فإلهكم إله واحد لا شريك له ، فإياه فاعبدوا وله أخلصوا الألوهة . وقوله :
فَلَهُ أَسْلِمُوا
يقول : فلإلهكم فاخضعوا بالطاعة ، وله فذلوا بالإقرار بالعبودية . وقوله :
وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ
يقول تعالى ذكره : وبشر يا محمد الخاضعين لله بالطاعة ، المذعنين له بالعبودية ، المنيبين إليه بالتوبة . وقد بينا معنى الإخبات بشواهده فيما مضى من كتابنا هذا . وقد اختلف أهل التأويل في المراد به في هذا الموضع ، فقال بعضهم : أريد به : وبشر المطمئنين إلى الله . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان