صب الحميم عليها ، لم يكن لقوله صلى الله عليه وسلم : " إن الحميم ينفذ الجمجمة " معنى ؛ ولكن الأمر في ذلك بخلاف ما قال هذا القائل . وقوله :
يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ
يقول : يذاب بالحميم الذي يصب من فوق رؤوسهم ما في بطونهم من الشحوم ، وتشوى جلودهم منه فتتساقط . والصهر : هو الإذابة ، يقال منه : صهرت الألية بالنار : إذا أذبتها أصهرها صهرا ؛ ومنه قول الشاعر .
تروي لقى ألقي في صفصف * تصهره الشمس ولا ينصهر
ومنه قول الراجز :
شك السفافيد الشواء المصطهر
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله :
يُصْهَرُ بِهِ
قال : يذاب إذابة . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله . قال ابن جريج
يُصْهَرُ بِهِ
قال : ما قطع لهم من العذاب . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال :
ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة :
يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ
قال : يذاب به ما في بطونهم . حدثنا الحسن ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، مثله . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال :
ثني عمي ، قال ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله :
فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ
. إلى قوله :
يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ
يقول : يسقون ما إذا دخل بطونهم أذابها والجلود مع البطون .
حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يعقوب ، عن جعفر وهارون بن عنترة ، عن سعيد بن جبير ، قال : قال هارون :
إذا عام أهل النار وقال جعفر : إذا جاع أهل النار استغاثوا بشجرة الزقوم ، فيأكلون منها ، فاختلست جلود وجوههم ، فلو أن مارا مربهم يعرفهم يعرف جلود وجوههم فيها ، ثم يصب عليهم العطش ، فيستغيثوا ، فيغاثوا بماء كالمهل ، وهو الذي قد انتهى حره ، فإذا أدنوه من أفواههم انشوى من حره لحوم وجوههم التي قد سقطت عنها الجلود و
يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ
يعني أمعاءهم ، وتساقط جلودهم ، ثم يضربون بمقامع من حديد ، فيسقط كل عضو على حاله ، يدعون بالويل والثبور . وقوله :
وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ
تضرب رؤوسهم بها الخزنة إذا أرادوا الخروج من النار حتى ترجعهم إليها . وقوله :
كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها
يقول : كلما أراد هؤلاء الكفار الذين وصف الله صفتهم الخروج من النار مما نالهم من الغم والكرب ، ردوا إليها . كما : حدثنا مجاهد بن موسى ، قال : ثنا جعفر بن عون ، قال : أخبرنا الأعمش ، عن أبي ظبيان ، قال : النار سوداء مظلمة لا يضيء لهبها ولا جمرها ، ثم قرأ :
كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها
وقد ذكر أنهم يحاولون الخروج من النار حين تجيش جهنم فتلقي من فيها إلى أعلى أبوابها ، فيريدون الخروج فتعيدهم الخزان فيها بالمقامع ، ويقولون لهم إذا ضربوهم بالمقامع :
ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ
. وعني بقوله :
وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ
ويقال لهم ذوقوا عذاب النار ، وقيل عذاب الحريق والمعنى : المحرق ، كما قيل : العذاب الأليم ، بمعنى : المؤلم .
القول في تأويل قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً . . .
مِنَ الْقَوْلِ
يقول تعالى ذكره : وأما الذين آمنوا بالله ورسوله فأطاعوهما بما أمرهم الله به من صالح الأعمال ، فإن الله يدخلهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار ، فيحليهم فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا . واختلفت القراء في قراءة قوله :
وَلُؤْلُؤاً
فقرأته عامة قراء أهل المدينة وبعض أهل الكوفة نصبا مع التي في الملائكة ، بمعنى : يحلون فيها أساور من ذهب ولؤلؤا ، عطفا باللؤلؤ على موضع الأساور ؛ لأن الأساور وإن كانت مخفوضة من أجل دخول " من " فيها ، فإنها