تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 64

مساهمون:

ص٦٤
ولدا ، ولا يصلح ذلك له ولا يكون ، بل كل شيء دونه فخلقه ، وذلك نظير قول عمرو بن أحمر :
في رأس خلقاء من عنقاء مشرفة * لا ينبغي دونها سهل ولا جبل
وأن من قوله
أَنْ يَتَّخِذَ
في موضع رفع بكان . وقوله :
سُبْحانَهُ
يقول : تنزيها لله وتبرئة له أن يكون له ما أضاف إليه الكافرون القائلون : عيسى ابن الله . وقوله :
إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
يقول جل ثناؤه : إنما ابتدأ الله خلق عيسى ابتداء ، وأنشأه إنشاء من غير فحل أفتحل أمه ، ولكنه قال له :
كُنْ فَيَكُونُ
لأنه كذلك يبتدع الأشياء ويخترعها ، إنما يقول ، إذا قضى خلق شيء أو إنشاءه : كن فيكون موجودا حادثا ، لا يعظم عليه خلقه ، لأنه لا يخلقه بمعاناة وكلفة ، ولا ينشئه بمعالجة وشدة . وقوله :
وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ
اختلف القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء أهل المدينة والبصرة : " وأن الله ربي وربكم " واختلف أهل العربية في وجه فتح " أن " إذا فتحت ، فقال بعض نحويي الكوفة : فتحت ردا على عيسى وعطفا عليه ، بمعنى : ذلك عيسى ابن مريم ، وذلك أن الله ربي وربكم . وإذا كان ذلك كذلك كانت أن رفعا ، وتكون بتأويل خفض ، كما قال :
ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ
قال : ولو فتحت على قوله :
وَأَوْصانِي
بأن الله ، كان وجها . وكان بعض البصريين يقول : وذكر ذلك أيضا عن أبي عمرو بن العلاء ، وكان ممن يقرؤه بالفتح إنما فتحت أن بتأويل وقضى أن الله ربي وربكم . وكانت عامة قراء الكوفيين يقرءونه :
وَإِنَّ اللَّهَ
بكسر إن بمعنى النسق على قوله :
فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ
وذكر عن أبي بن كعب أنه كان يقرؤه : " فإنما يقول له كن فيكون إن الله ربي وربكم " بغير واو . قال أبو جعفر : والقراءة التي نختار في ذلك : الكسر على الابتداء . وإذا قرئ كذلك لم يكن لها موضع ، وقد يجوز أن يكون عطفا على " إن " التي مع قوله
قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ
وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ
ولو قال قائل ، ممن قرأ ذلك نصبا : نصب على العطف على الكتاب ، بمعنى : أتاني الكتاب ، وأتاني أن الله ربي وربكم ، كان وجها حسنا . ومعنى الكلام : وإني وأنتم أيها القوم جميعا لله عبيد ، فإياه فاعبدوا دون غيره . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عمن لا يتهم ، عن وهب بن منبه ، قال : عهد إليهم حين أخبرهم عن نفسه ومولده وموته وبعثه
إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ
أي إني وإياكم عبيد الله ، فاعبدوه ولا تعبدوا غيره . وقوله :
هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ
يقول : هذا الذي أوصيتكم به ، وأخبرتكم أن الله أمرني به هو الطريق المستقيم ، الذي من سلكه نجا ، ومن ركبه اهتدى ، لأنه دين الله الذي أمر به أنبياءه . القول في تأويل قوله تعالى :
فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ
يقول تعالى ذكره : فاختلف المختلفون في عيسى ، فصاروا أحزابا متفرقين من بين قومه ، كما : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثني الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله :
فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ
قال : أهل الكتاب . حدثنا