تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 61

مساهمون:

ص٦١
الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قال : النبي وحده الذي يكلم وينزل عليه الوحي ولا يرسل . وقوله
وَجَعَلَنِي مُبارَكاً
اختلف أهل التأويل في معنى ذلك ، فقال بعضهم : معناه : وجعلني نفاعا . ذكر من قال ذلك : حدثني سليمان بن عبد الرحمن بن حماد الطلحي ، قال : ثنا العلاء ، عن عائشة امرأة ليث ، عن ليث ، عن مجاهد
وَجَعَلَنِي مُبارَكاً
قال : نفاعا . وقال آخرون : كانت بركته الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . ذكر من قال ذلك : حدثني سليمان بن عبد الجبار ، قال : ثنا محمد بن يزيد بن خنيس المخزومي ، قال : سمعت وهيب بن ابن الورد مولى بني مخذوم ، قال : لقي عالم عالما لما هو فوقه في العلم ، قال له : يرحمك الله ، ما الذي أعلن من علمي ، قال : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فإنه دين الله الذي بعث به أنبياءه إلى عباده ، وقد اجتمع الفقهاء على قول الله
وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ
وقيل : ما بركته ؟ قال : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أينما كان . وقال آخرون معنى ذلك : جعلني معلم الخير . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس بن عبد الأعلى ، قال : ثنا سفيان في قوله
وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ
قال : معلما للخير . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن ليث ، عن مجاهد ، قوله :
وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ
قال : معلما للخير حيثما كنت . وقوله :
وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ
يقول : وقضى أن يوصيني بالصلاة والزكاة ، يعنى المحافظة على حدود الصلاة وإقامتها على ما فرضها علي . وفي الزكاة معنيان : أحدهما : زكاة الأموال أن يؤديها . والآخر : تطهير الجسد من دنس الذنوب ؛ فيكون معناه : وأوصاني بترك الذنوب واجتناب المعاصي . وقوله :
ما دُمْتُ حَيًّا
يقول : ما كنت حيا في الدنيا موجودا ، وهذا يبين عن أن معنى الزكاة في هذا الموضع : تطهير البدن من الذنوب ، لأن الذي يوصف به عيسى صلوات الله وسلامه عليه أنه كان لا يدخر شيئا لغد ، فتجب عليه زكاة المال ، إلا أن تكون الزكاة التي كانت فرضت عليه الصدقة بكل ما فضل عن قوته ، فيكون ذلك وجها صحيحا . القول في تأويل قوله تعالى :
وَبَرًّا بِوالِدَتِي . . .
وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا
يقول تعالى ذكره : مخبرا عن قيل عيسى للقوم : وجعلني مباركا وبرا : أي جعلني برا بوالدتي . والبر هو البار ، يقال : هو بر بوالده ، وبار به ، وبفتح الباء قرأت هذا الحرف قراء الأمصار . وروي عن أبي نهيك ما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يحيى بن واضح ، قال : ثنا عبد المؤمن ، عن أبي نهيك أنه قرأ :
وَبَرًّا بِوالِدَتِي
من قول عيسى عليه السلام ، قال أبو نهيك : أوصاني بالصلاة والزكاة والبر بالوالدين ، كما أوصاني بذلك . فكأن أبا نهيك وجه تأويل الكلام إلى قوله
وَبَرًّا بِوالِدَتِي
هو من خبر عيسى ، عن وصية الله إياه به ، كما أن قوله :
وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ
من خبره عن وصية الله إياه بذلك . فعلى هذا القول يجب أن يكون نصب البر بمعنى عمل الوصية فيه ، لأن الصلاة والزكاة وإن كانتا مخفوضتين في اللفظ ، فإنهما بمعنى النصب من أجل أنه مفعول بهما . وقوله :
وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا
يقول : ولم يجعلني مستكبرا على الله فيما أمرني به ، ونهاني عنه ، شقيا ، ولكن ذللني لطاعته ، وجعلني متواضعا ، كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قال : ذكر