قال : فييأس أهل النار من الموت ، فلا يرجونه ، فتأخذهم الحسرة من أجل الخلود في النار ، وفيها أيضا الفزع الأكبر ، ويأمن أهل الجنة الموت ، فلا يخشونه ، وأمنوا الموت ، وهو الفزع الأكبر ، لأنهم يخلدون في الجنة ، قال ابن جريج : يحشر أهل النار حين يذبح الموت والفريقان ينظرون ، فذلك قوله :
إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ
قال : ذبح الموت
وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ
حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن أبيه جريج أنه أخبره أنه سمع عبيد بن عمير في قصصه يقول : يؤتى بالموت كأنه دابة ، فيذبح والناس ينظرون . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ
قال : يوم القيامة ، وقرأ
أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ
حدثني علي ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله
وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ
من أسماء يوم القيامة ، عظمه الله ، وحذره عباده . وقوله :
إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ
يقول : إذ فرغ من الحكم لأهل النار بالخلود فيها ، ولأهل الجنة بمقام الأبد فيها ، بذبح الموت . وقوله :
وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ
يقول : وهؤلاء المشركون في غفلة عما الله فاعل بهم يوم يأتونه خارجين إليه من قبورهم ، من تخليده إياهم في جهنم ، وتوريثه مساكنهم من الجنة غيرهم
وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
يقول تعالى ذكره : وهم لا يصدقون بالقيامة والبعث ، ومجازاة الله إياهم على سيئ أعمالهم ، بما أخبر أنه مجازيهم به . القول في تأويل قوله تعالى :
إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم :
لا يحزنك تكذيب هؤلاء المشركين لك يا محمد فيما أتيتهم به من الحق ، فإن إلينا مرجعهم ومصيرهم ومصير جميع الخلق غيرهم ، ونحن وارثو الأرض ومن عليها من الناس ، بفنائهم منها ، وبقائها لا مالك لها غيرنا ، ثم علينا جزاء كل عامل منهم بعمله ، عند مرجعه إلينا ، المحسن منهم بإحسانه ، والمسئ بإساءته . القول في تأويل قوله تعالى :
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا إِذْ قالَ
يقول تعالى ذكره لنبيه :
وَاذْكُرْ
يا محمد في كتاب الله
إِبْراهِيمَ
خليل الرحمن ، فأقصص على هؤلاء المشركين قصصه وقصص أبيه ،
إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً
يقول : كان من أهل الصدق في حديثه وأخباره ومواعيده لا يكذب ، والصديق هو الفعيل من الصدق . وقد بينا ذلك فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع .
نَبِيًّا
يقول : كان الله قد نبأه وأوحى إليه . وقوله :
إِذْ قالَ لِأَبِيهِ
يقول : اذكره حين قال لأبيه
يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ
يقول : ما تصنع بعبادة الوثن الذي لا يسمع
وَلا يُبْصِرُ
شيئا
وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً
يقول : ولا يدفع عنك ضر شيء ، إنما هو صورة مصورة لا تضر ولا تنفع . يقول ما تصنع بعبادة ما هذه صفته ؟ اعبد الذي إذا دعوته سمع دعاءك ، وإذا أحيط بك أبصرك فنصرك ، وإذا نزل بك ضر دفع عنك . واختلف أهل العربية في وجه دخول الهاء في قوله
يا أَبَتِ
فكان بعض نحويي أهل البصرة يقول : إذا وقفت عليها قلت : يا أبه ، وهي هاء زيدت نحو قولك : يا أمه ، ثم يقال : يا أم إذا وصل ، ولكنه لما كان الأب على حرفين ، كان كأنه قد أخل به ، فصارت الهاء لازمة ، وصارت الياء كأنها بعدها ، فلذلك قالوا : يا أبة أقبل ، وجعل التاء للتأنيث ، ويجوز الترخيم