تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 63

مساهمون:

ص٦٣
على ما ذكرنا عن إبراهيم ، من تأويله ذلك كذلك ، فيصح حينئذ أن يكون نعتا لعيسى ، وإلا فرفعه عندي بمضمر ، وهو هذا قول الحق على الابتداء ، وذلك أن الخبر قد تناهى عن قصة عيسى وأمه عند قوله
ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ
ثم ابتدأ الخبر بأن الحق فيما فيه تمتري الأمم من أمر عيسى ، هو هذا القول ، الذي أخبر الله به عنه عباده ، دون غيره . وقد قرأ ذلك عاصم بن أبي النجود وعبد الله بن عامر بالنصب ، وكأنهما أرادا بذلك المصدر : ذلك عيسى ابن مريم قولا حقا ، ثم أدخلت فيه الألف واللام . وأما ما ذكر عن ابن مسعود من قراءته : " ذلك عيسى ابن مريم قال الحق " ، فإنه بمعنى قول الحق ، مثل العاب والعيب ، والذام والذيم . قال أبو جعفر : والصواب من القراءة في ذلك عندنا : الرفع ، لإجماع الحجة من القراء عليه . وأما قوله تعالى ذكره :
الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ
فإنه يعني : الذي فيه يختصمون ويختلفون ، من قولهم : ماريت فلانا : إذا جادلته وخاصمته . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله
ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ
امترت فيه اليهود والنصارى ؛ فأما اليهود فزعموا أنه ساحر كذاب ؛ وأما النصارى فزعموا أنه ابن الله ، وثالث ثلاثة ، وإله ، وكذبوا كلهم ، ولكنه عبد الله ورسوله ، وكلمته وروحه . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، فال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قوله :
الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ
قال : اختلفوا ، فقالت فرفة : هو عبد الله ونبيه ، فآمنوا به . وقالت فرقة : بل هو الله . وقالت فرقة : هو ابن الله . تبارك وتعالى عما يقولون علوا كبيرا . قال : فذلك قوله .
فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ
والتي في الزخرف . قال دقيوس ونسطور ومار يعقوب ، قال أحدهم حين رفع الله عيسى : هو الله ، وقال الآخر : ابن الله ، وقال الآخر : كلمة الله وعبده ، فقال المفتريان : إن قولي هو أشبه بقولك ، وقولك بقولي من قول هذا ، فهلم فلنقاتلهم ، فقاتلوهم وأوطئوهم وغلبوهم حتى خرج النبي صلى الله عليه وسلم وهم مسلمة أهل الكتاب . حدثنا الحسن قال أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن قتادة في قوله
ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ
: قال اجتمع إسرائيل ، فأخرجوا منهم أربعة نفر ، أخرج كل قوم عالمهم ، فامتروا في عيسى حين رفع ، فقال أحدهم : هو الله هبط إلى الأرض وأحيا من أحيا ، وأمات من أمات ، ثم صعد إلى السماء وهم اليعقوبية ، فقال الثلاثة : كذبت ، ثم قال اثنان منهم للثالث ، قل أنت فيه ، قال : هو ابن الله ، وهم النسطورية ، فقال الاثنان : كذبت ، ثم قال أحد الاثنين للآخر : قل فيه ، قال : هو ثالث ثلاثة : الله إله ، وهو إله ، وأمه إله ، وهم الإسرائيلية ملوك النصارى ؛ قال الرابع : كذبت ، هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ، وهم المسلمون ، فكان لكل رجل منهم أتباع على ما قال ، فاقتتلوا ، فظهر على المسلمين ، وذلك قول الله :
وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ
قال قتادة : هم الذين قال الله :
فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ
، اختلفوا فيه فصاروا أحزابا . القول في تأويل قوله تعالى :
ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
يقول تعالى ذكره : لقد كفرت الذين قالوا : إن عيسى ابن الله ، وأعظموا الفرية عليه ، فما ينبغي لله أن يتخذ